الاجتياح من الفكرة إلى المجزرة
أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لـ”سوريا الآن” أن المجزرة وقعت ابتداء من 25 سبتمبر/أيلول 2012، في سياق عملية عسكرية واسعة نفذتها قوات النظام السابق في حيي الجورة والقصور.
وتشير الشهادات والمواد التي وثقتها الشبكة على مدى السنوات الماضية إلى أن هذه العملية لم تقتصر على القصف، بل أعقبها اقتحام وعمليات قتل ميداني داخل الأحياء، وطالت عائلات ومدنيين كانوا داخل منازلهم أو أصبحوا تحت سيطرة القوات المهاجمة، وفق عبد الغني.
ويضيف مدير الشبكة الحقوقية “تورد مصادر توثيقية مشاركة وحدات من الحرس الجمهوري، من بينها اللواء 104، فيما تحتاج مسؤولية كل قائد أو عنصر بعينه إلى الإثبات وفق معايير المسؤولية الجنائية الفردية، ولا يجوز استنتاجها من الرتبة أو الوجود في المنطقة وحدهما”.
المجزرة اختبار عملي للقدرة المساءلة
وأكد عبد الغني أن هذه المجزرة “تمثل اليوم اختبارا عمليا لقدرة سوريا على الانتقال من توثيق الجرائم وحفظ الذاكرة، الذي عملت عليه الشبكة على مدى 14 عاما، إلى كشف الحقيقة والمساءلة القضائية وجبر ضرر الضحايا”.
وأشار إلى أن قتل مدنيين أو أشخاص أصبحوا تحت سيطرة القوات عمدا يمكن أن يشكل جريمة حرب متى استوفت العناصر القانونية اللازمة، ويمكن كذلك توصيف المجزرة في إطار الجرائم ضد الإنسانية، فقد ثبت أنها كانت جزءا من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين.
5 مسارات للعدالة الانتقالية
وفي مسار العدالة الانتقالية، رأى عبد الغني أن ملف الجورة والقصور يجب أن يتحرك في 5 مسارات مترابطة: كشف الحقيقة كاملة، تحديد مصير المفقودين والجثامين مجهولة الهوية، المساءلة الجنائية الفردية، جبر ضرر الضحايا وعائلاتهم، ثم فحص البنية المؤسسية والأوامر وسلاسل القيادة التي سمحت بوقوع هذه الجرائم.
وشدد على أن “العدالة الانتقالية لا تعني محاكمة أشخاص فقط، ولا تعني في المقابل الاكتفاء بالتخليد والاعتراف الرمزي، بل المطلوب هو الجمع بين الحقيقة والعدالة والجبر وضمان عدم التكرار”.
وأكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن “هناك اليوم فرصة لم تكن موجودة طوال سنوات حكم النظام السابق، إذ أصبحت الدولة قادرة، من حيث المبدأ، على الوصول إلى الأرشيفات الأمنية والعسكرية، وسجلات الوحدات والانتشار والاتصالات والأوامر، وعلى استجواب أشخاص كانوا يشغلون مواقع قيادية في دير الزور، وهذا يفرض مسؤولية كبيرة في حماية هذه الأدلة ومنع العبث بها وربطها بالشهادات وقواعد بيانات الضحايا والمفقودين”.
تطور قضائي: مثول عادل عيسى أمام قاضي الإحالة
وأشار عبد الغني إلى وجود تطور قضائي ينبغي متابعته، ففي أغسطس/آب 2026 مثل اللواء عيسى، قائد الفرقة 17 إلى جانب رئاسة اللجنة الأمنية في دير الزور سابقا، أمام قاضي الإحالة المختص بالعدالة الانتقالية ضمن دعوى تشمل أيضا العميد دعاس، والمتعلقة باقتحام المدينة.
واعتبر أن هذه خطوة مهمة من حيث فتح ملفات المسؤولين السابقين، مؤكدا أن المسؤولية الجنائية شخصية، ويجب إثبات فعل كل متهم ودوره وعلمه وسيطرته وأوامره أو امتناعه وفق القانون وفي محاكمة عادلة.
وختم عبد الغني بالقول إنه “بعد 14 عاما، لدينا اليوم قدر كبير من المعلومات عن ذلك، والسؤال هنا: هل تستطيع المؤسسات السورية أن تحول هذه المعلومات إلى حقيقة موثقة قضائيا، وأن تحدد المسؤوليات الفردية دون انتقام أو انتقائية، وأن تكشف مصير المفقودين، وتنصف الأسر، وتحفظ ذاكرة الضحايا؟ وإذا استطعنا أن نفعل ذلك، فإن إحياء ذكرى الجورة والقصور لن يبقى مجرد استعادة مأساة، بل سيصبح جزءا من بناء نظام قانوني جديد يعترف بالضحايا ويحمي حقوقهم ويمنع تكرار ما جرى”.






