المواقع تحفظ خيوطاً من الحقيقة
يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن الأماكن المرتبطة بالاعتقال والتعذيب والقتل ينبغي التعامل معها كمواقع محتملة للأدلة ومصادر تساعد على إعادة بناء أنماط الانتهاكات وآليات ارتكابها. كما تتصل هذه المواقع بحق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة، وقد يتحول بعضها لاحقاً إلى جزء من الذاكرة العامة للمجتمع.
وتزداد أهمية هذه القضية في سوريا بالنظر إلى حجم منظومة الاعتقال والاختفاء القسري. ووفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 30 آب 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177,021 شخصاً في عداد المختفين قسرياً منذ آذار 2011، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة. كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بينهم 45,038 شخصاً داخل مراكز احتجاز تابعة للنظام المخلوع.
ومن الناحية القانونية، لا توجد قاعدة دولية تفرض الإبقاء بصورة دائمة على كل مبنى ارتبط بانتهاكات، غير أن القانون الدولي يرتب التزامات تتعلق بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة وكشف الحقيقة والبحث عن المفقودين والموتى، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأدلة التي يتوقف عليها الوفاء بهذه الالتزامات.
وتلزم المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما توافرت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع فعل من أفعال التعذيب. كما يتصل واجب التحقيق في حالات الحرمان المحتمل غير المشروع من الحياة بالمادتين 6 و2(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبحق الضحايا وذويهم في الانتصاف الفعّال.
أما بروتوكول إسطنبول المنقح لعام 2022، فيمثل معياراً مهنياً دولياً يوضح متطلبات التحقيق الفعّال في التعذيب وسوء المعاملة، من دون أن ينشئ التزاماً قانونياً مستقلاً بالحفاظ على المواقع. وتكتسب الفقرتان 225 و226 منه أهمية في هذا الجانب، إذ توضحان أن موقع الاحتجاز قد يحتوي على أدلة مادية ورقمية ووثائقية يمكن أن تدعم إفادات الضحايا والشهود، مع التأكيد على أهمية تأمين الموقع وضبط الدخول إليه وإشراك المختصين والمحافظة على سلسلة الحيازة.
ويضع بروتوكول مينيسوتا بدوره معياراً مهنياً للتحقيق في حالات الوفاة التي يحتمل أن تكون غير مشروعة، ويشدد على تأمين مسرح الواقعة وتوثيق العلاقات المكانية بين عناصر الأدلة وحمايتها من التلوث أو العبث.
وفي ملف المعتقلين والمختفين، يمكن لهذه المواقع أن توفر خيوطاً وقرائن ومصادر للمعلومات، إلا أن عبد الغني يشدد على ضرورة ضبط درجة اليقين عند التعامل معها، لأن ما يعثر عليه في الموقع قد يساعد في توجيه التحقيق، من دون أن يقدم في معظم الحالات إجابة نهائية بمفرده.
فالسجلات الموجودة في مركز احتجاز قد تحدد تاريخ وصول شخص إليه أو نقله منه أو الجهة التي تسلمته، فيما يمكن لمخططات الزنازين وغرف الاستجواب، عند مقارنتها بإفادات الناجين، أن تساعد في إثبات وجود شخص في موقع معين. وقد تكشف سجلات النقل أو الوفاة مسار انتقاله من فرع أمني إلى سجن أو مستشفى عسكري أو مكان آخر، في حين توفر المتعلقات الشخصية والكتابات والأرقام والعلامات الموجودة داخل الموقع خيوطاً إضافية يمكن البناء عليها في عمليات البحث والتحقق.
حماية الأدلة قبل تغيير معالم المواقع
ويشدد عبد الغني على ضرورة التمييز بدقة بين الخيط الاستدلالي والواقعة المثبتة، فالاسم المكتوب على جدار لا يثبت بمفرده أن الشخص المعني هو من كتبه، كما أن ورود اسم في سجل لا يحسم مصير صاحبه، والأثر المادي الموجود داخل غرفة لا يكشف بذاته هوية من أحدثه أو المسؤولية الجنائية عن الفعل المرتبط به. ويتطلب الوصول إلى استنتاج موثوق مقارنة مصادر متعددة ومستقلة، تشمل السجلات وشهادات الناجين والعاملين السابقين والبيانات الطبية ووثائق المؤسسات الأمنية والعسكرية والمعلومات المتعلقة بمواقع الدفن وأدلة الطب الشرعي.
وتكمن خطورة هدم المواقع أو ترميمها قبل توثيقها، بحسب عبد الغني، في احتمال تدمير السياق الذي يمنح الدليل معناه وقيمته الاستدلالية. فموقع كل عنصر وعلاقته بما حوله قد يشكلان جزءاً أساسياً من عملية التحقق، وليس الأثر منفرداً فقط.
وقد يكون من المهم، على سبيل المثال، إثبات أن غرفة معينة تقع بجوار مكان احتجاز، أو أن مساراً محدداً كان يصل منطقة الاستجواب بمكان آخر، أو أن روايات عدد من الضحايا الذين لا يعرف بعضهم بعضاً تتطابق بصورة مستقلة مع بنية الموقع وتوزيع مرافقه. وتغيير هذه المعالم قبل تسجيلها وتوثيقها قد يحرم المحققين لاحقاً من إمكانية اختبار تلك الروايات والتحقق منها.
كما قد تضم بعض المواقع سجلات تحتوي على أسماء أو أرقام ملفات أو أوامر نقل أو توقيتات الدخول والخروج، إلى جانب أجهزة تخزين أو أنظمة مراقبة ومواد أخرى ذات صلة. وتزداد حساسية التعامل مع الموقع عند العثور على رفات بشرية أو مؤشرات إلى وجود مكان للدفن، إذ قد تؤدي أعمال الحفر أو التسوية غير المنضبطة إلى خلط الرفات وإتلاف السياق الجنائي للموقع، ما يعقد تحديد الهوية وربط الضحايا بملابسات الوفاة.
أما مصير هذه الأماكن مستقبلاً، فلا يضعه عبد الغني ضمن خيار واحد يقوم على تحويل كل فرع أمني أو مركز اعتقال سابق إلى متحف، كما يحذر من أن تتحول إعادة الإعمار إلى سبب لمحو المواقع أو تغيير معالمها قبل التحقق مما قد تحتويه. ويطرح في المقابل سياسة وطنية متعددة المراحل تجمع حماية الأدلة وكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة وإعادة استخدام المواقع عند الاقتضاء.
وتبدأ هذه السياسة، وفق تصوره، بالحماية والتقييم، بحيث يخضع كل موقع تتوافر معلومات جدية عن صلته بالاعتقال أو التعذيب أو الوفاة أو الاختفاء أو الدفن لتقييم أولي قبل هدمه أو إجراء ترميم جوهري فيه أو تغيير استخدامه. وإذا تبين أن للموقع قيمة محتملة للتحقيق أو كشف المصير، يصبح تأمينه وتوثيقه وفحصه من جهات مختصة ضرورياً، إلى جانب ضبط الدخول إليه والمحافظة على سلسلة الحيازة وسلامة المواد الموجودة فيه.
وبعد استنفاد الحاجة الجنائية أو التوثيقية الأولية، يمكن التعامل مع المواقع وفق طبيعة كل منها وقيمته. فقد يعاد بعضها إلى الاستخدام المدني بعد استكمال التوثيق والفحص، فيما يمكن الحفاظ على أجزاء محددة من مواقع أخرى أو توثيقها رقمياً ومعمارياً. أما المواقع ذات الدلالة الاستثنائية، فقد تكون مؤهلة للحفاظ عليها كمواقع للذاكرة والتوثيق والتعليم.
ويحتاج تحديد مصير كل موقع إلى معايير معلنة وواضحة، تشمل قيمته المتبقية للتحقيقات وكشف المصير، وحجم الانتهاكات المرتبطة به وطبيعتها، ومكانته في تجربة الضحايا والناجين، ومدى تمثيله لمنظومة القمع الأوسع، إضافة إلى الحقوق العقارية وحقوق الاستخدام، وإمكان صيانته واستدامته، وآراء الناجين وعائلات الضحايا والمجتمع المحلي.
ولا يفترض هذا المسار وجود موقف واحد لدى الضحايا تجاه مستقبل هذه الأماكن، إذ قد تختلف رؤاهم بشأن الحفاظ عليها أو تغيير استخدامها أو الطريقة التي تعرض بها الانتهاكات التي شهدتها وكيفية تخليد ذكرى ضحاياها. ويجعل هذا التباين إشراك الناجين وعائلات الضحايا جزءاً أساسياً من أي قرار يتعلق بالمصير النهائي للمواقع.
وتضع المعايير الدولية الذاكرة ضمن مسارات العدالة الانتقالية، من دون فرض نموذج واحد لكيفية حفظها. فالمبدأ 22 من المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر، الواردة في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 60/147 لعام 2005، يدرج ضمن تدابير الترضية، بحسب مقتضى الحال، التحقق من الوقائع والكشف الكامل والعلني عن الحقيقة، والبحث عن المختفين وجثامين القتلى والتعرف إليهم، إلى جانب إحياء ذكرى الضحايا وتكريمهم.
ويخضع الكشف العلني عن الحقيقة في الوقت نفسه لضوابط تحمي الضحايا وأقاربهم والشهود من التعرض لمزيد من الضرر، وتحول دون تعريض سلامتهم أو مصالحهم للخطر.
ومن هنا، يبرز مساران ينبغي تجنبهما: الطمس الكامل بما قد يؤدي إليه من إزالة الأدلة ومحو الذاكرة، وتحويل المواقع إلى متاحف بطريقة غير منضبطة قد تجعل معاناة الضحايا مادة للعرض، أو تكشف أسماء وشهادات وبيانات حساسة من دون موافقة أو ضمانات كافية. ويقتضي التعامل مع مواقع الذاكرة ربطها بمسارات الحقيقة والعدالة وصون كرامة الضحايا، من دون أن تحل محلها.






