فضل عبد الغني
الموجز
القانون الدولي لحقوق الإنسان، هو فرعٌ من فروع القانون الدولي العام، يُعنى بتحديد حقوق الأفراد والشعوب في مواجهة الدول، ويفرض على الدول التزامات قانونية باحترام هذه الحقوق وحمايتها وإعمالها. ويتميّز عن القانون الدولي التقليدي باتّجاهه نحو الفرد بوصفه صاحب الحق، وعن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي وقانون اللاجئين بنطاق تطبيقه الزمني والشخصي وبطبيعة المسؤولية التي ينظّمها، وإن كان يتكامل معها في سياقات عدة، منها حظر التعذيب ومبدأ عدم الإعادة القسرية، كما يرتبط بالعدالة الانتقالية.
تعود جذور هذا القانون إلى معاهدات مكافحة تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر، واتفاقيات القانون الإنساني، ونظام حماية الأقلّيات في عصبة الأمم، ومعايير منظمة العمل الدولية. غير أنه انبثق بصورته المؤسَّسية الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مع مبادئ نورمبرغ التي أقرّت المسؤولية الجنائية الفردية بموجب القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة (1945)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، ثم العهدين الدوليين (1966) اللذين يشكّلان مع الإعلان الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، قبل أن تتوالى المعاهدات المتخصّصة بفئات محدّدة من الأشخاص أو بأشكال معيّنة من الانتهاكات.
ويهدف هذا القانون إلى حماية الكرامة الإنسانية، من خلال وضع حدود قانونية لسلطة الدولة، وتحديد حدّ أدنى من الحماية لحقوق الأفراد تلتزم به جميع الدول، وإنشاء آليات لرصد الامتثال وتوفير سُبل الانتصاف. وتتمثّل مصادره في المعاهدات، والقانون الدولي العُرفي، والمبادئ العامة للقانون، مدعومةً بالأحكام القضائية، والتفسيرات المرجعية لهيئات المعاهدات، والقانون المرن. وتحتلّ بعض قواعده، كحظر التعذيب والرقّ والإبادة الجماعية، مرتبة القواعد الآمرة. وتتوزّع الحقوق التي يكفلها على الحقوق المدنية والسياسية الواجبة التنفيذ فورًا، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاضعة للإعمال التدريجي في حدود الموارد المتاحة، والحقوق الجماعية كحق الشعوب في تقرير المصير والحق في التنمية، في إطار مبدأ عدم قابلية الحقوق للتجزئة وترابطها.
وتتوزّع التزامات الدول على ثلاثة مستويات، هي: الاحترام، أي الامتناع عن التدخّل في التمتّع بالحقوق؛ والحماية، أي منع الغير من المساس بها؛ والإعمال، أي اتخاذ التدابير اللازمة لتيسير التمتّع بها. وتقع على عاتق الدول التزامات إجرائية بالوقاية والتحقيق والمساءلة وجبر الضرر، ويتّصل بها الحق في معرفة الحقيقة، وكذلك انطباق هذه الالتزامات خارج الحدود الإقليمية.
ويُعهد برصد هذه الحقوق وإنفاذها إلى نظام متعدّد المستويات، يضمّ هيئات معاهدات الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان وإجراءاته الخاصة والاستعراض الدوري الشامل، والنظم الإقليمية الأوروبية والأميركية والأفريقية والعربية، إضافةً إلى المحاكم الوطنية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني. غير أن التنفيذ يظلّ مقيّدًا بغياب آليات إنفاذ إلزامية، إذ يعتمد الامتثال إلى حدّ كبير على إرادة الدول؛ وبالتحفّظات على المعاهدات والاستثناءات في حالات الطوارئ؛ وبثغرات الامتثال؛ وبانتقادات تتعلّق بالانتقائية والتسييس.
وتطرح التحديات المعاصرة على هذا القانون مسائل جديدة، منها تنظيم سلوك الشركات، والمراقبة الرقمية، وتغيّر المناخ، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وحقوق النساء والفئات المهمَّشة.
التعريف
القانون الدولي لحقوق الإنسان هو مجموعة القواعد القانونية الدولية التي تنظّم العلاقة بين الدول والأفراد فيما يتعلّق بحماية الحقوق والحرّيات الأساسية. وخلافًا للقانون الدولي التقليدي بين الدول، الذي ينظّم في المقام الأوّل العلاقات بين الدول ذات السيادة، يتّجه القانون الدولي لحقوق الإنسان هيكليًا نحو الفرد، فالأشخاص هُم أصحاب الحقوق والمُستفيدون من الحماية، والدول هي الجهات المُلزَمة قانونًا باحترام تلك الحقوق وحمايتها وإعمالها. وبذلك، يكتسب الفرد مكانة قانونية في النظام الدولي، بعد أن كانت المذاهب الكلاسيكية للقانون الدولي قد أنكرتها عليه أو قيّدتها إلى حدّ كبير.
يُصنَّف القانون الدولي لحقوق الإنسان بوصفه فرعًا من فروع القانون الدولي العام، وهو قائم أساسًا على المعاهدات المُبرَمة بين الدول، وعلى القانون الدولي العُرفي، وعلى المبادئ العامة للقانون، كذلك تعترف به المادة 38 (1) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. وإلى جانب هذه المصادر الرسمية، يعتمد هذا النظام على التفسيرات المُعتمَدة الصادرة عن هيئات الخُبراء المستقلّة، وعلى الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الدولية والإقليمية، بوصفها وسائلَ تُحدِّد مضمون الالتزامات القانونية ونطاقها.
يُعَدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصكّ التأسيسي الرئيس للقانون الدولي لحقوق الإنسان، في حين أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان تشكّل إطاره التعاهُدي والمعياري الأساسي، وهي تتألّف من الإعلان المذكور، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما هيئات الرصد الرئيسة، فتشمل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ولجان معاهدات الأمم المتحدة، والمحاكم الإقليمية الرئيسة: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.
وما يُميِّز القانونَ الدوليَّ لحقوق الإنسان عن المجالات المتّصلة به، ولا سيما القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي الجنائي، وقانون اللاجئين، هو نطاق تطبيقه الزمني والشخصي، وطبيعة المسؤولية التي ينظّمها؛ ففي حين أن تطبيق القانون الدولي الإنساني يقتصر على حالات النزاع المُسلَّح، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يُطبَّق في جميع الأوقات. كذلك فإن القانون الدولي الجنائي ينصرف أساسًا إلى تقرير المسؤولية الجنائية الفردية، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينصبّ اهتمامه على مسؤولية الدولة. أما قانون اللاجئين، فيختصّ بحماية فئة محدّدة من الأشخاص الموجودين خارج دولة جنسيتهم أو إقامتهم المُعتادة، بخلاف القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يمتدّ إلى جميع الأشخاص الخاضعين لولاية دولةٍ ما، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني. ومع ذلك، تتداخل هذه المجالات، وتعمل في عدد من السياقات على نحوٍ تكامُلي لا تنافري.
التطور التاريخي
الجذور
أرست معاهدات مكافحة تجارة الرقيق، بدءًا من إعلان مؤتمر ڤيينا لعام 1815 المُناهض لتجارة الرقيق[1][“إعلان الدول الثماني بشأن الإلغاء الشامل لتجارة الرقيق”، فيينا، 8 شباط/ فبراير 1815؛ “الملحق الخامس عشر بالوثيقة الختامية لمؤتمر فيينا”، 63 CTS 473، 9 حزيران/ يونيو 1815؛ ويُنظر:Jenny S. Martinez, The Slave Trade and the Origins of International Human Rights Law (Oxford: Oxford University Press, 2012).]، وامتدادًا عبر سلسلة من الاتفاقيات الثنائية ومتعدّدة الأطراف خلال القرن التاسع عشر، مبدأ إمكانية إخضاع بعض صور سلوك الدول تجاه الأفراد لمعايير قانونية دولية.
كذلك، أرست اتفاقيات القانون الإنساني متعدّدة الأطراف في الفترة نفسها -التي تُعَدّ اتفاقية جنيڤ لعام 1864 بشأن تحسين حال الجرحى في الجيوش في الميدان صكَّها التأسيسي[2][“اتفاقية تحسين حال العسكريين الجرحى في الجيوش في الميدان”، 129 CTS 361، جنيف، 22 آب/ أغسطس 1864؛ ويُنظر:François Bugnion, “Birth of an Idea: The Founding of the International Committee of the Red Cross and of the International Red Cross and Red Crescent Movement: From Solferino to the Original Geneva Convention (1859-1864),” International Review of the Red Cross, vol. 94, no. 888 (2013), pp. 1299-1338.]- مبدأ إمكان تقييد القانون الدولي لسلوك الدول تجاه الأشخاص الخاضعين لسلطتها، حتى في سياق النزاعات المسلّحة. وأضاف نظام عصبة الأمم آليات لحماية الأقلّيات في بعض الدول، ومتطلّباتٍ للمُساءلة في إطار نظام الانتداب. كذلك أسهمت منظمة العمل الدولية، المُنشَأة عام 1919 بموجب الجزء الثالث عشر من معاهدة فرساي، في إرساء معايير دولية لحماية حقوق العُمّال، شملت حُرّية تكوين الجمعيات، وحظر العمل القسري، وتنظيم ظروف العمل. إلا أن هذه الآليات ظلّت محدودة النطاق، ولم تُنتِج حقوقًا فردية قابلة للتنفيذ على المستوى الدولي.
أثر الحرب العالمية الثانية وسابقة نورمبرغ
أحدثت الحرب العالمية الثانية، بما شهدته من أحداث دامية، تحوّلًا في الفكر القانوني الدولي، إذ ما عاد مبدأ السيادة المطلقة للدولة، الذي كان يَنظُر إلى معاملة الدولة لمُواطنيها بوصفها شأنًا داخليًا بحتًا خارج نطاق الرقابة الدولية، يُعَدّ أساسًا كافيًا للنظام الدولي.
وأكّدت المحكمة العسكرية الدولية، التي أُنشئت في نورمبرغ بموجب ميثاق المحكمة العسكرية الدولية المرفق باتفاقية لندن المؤرَّخة في 8 آب/ أغسطس 1945[3][“اتفاقية لندن المتعلقة بالمحاكمة والمعاقبة على كبار مجرمي الحرب في دول المحور الأوروبية”، ميثاق المحكمة العسكرية الدولية الملحق بها، 82 UNTS 279، 8 آب/ أغسطس 1945؛ ويُنظر:Telford Taylor, The Anatomy of the Nuremberg Trials: A Personal Memoir (New York: Knopf, 1992); Kevin Jon Heller, The Nuremberg Military Tribunals and the Origins of International Criminal Law (Oxford: Oxford University Press, 2012).]، عدة مبادئ ذات أهمية في تطوّر القانون الدولي؛ ففي حُكمها الصادر في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1946[4][للاطّلاع على حُكم المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ، الصادر في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1946، يُنظر:IMT, “Trial of the Major War Criminals before the International Military Tribunal, 14 November 1945- 1 October 1946,” vol. I, Nuremberg, 1947;وقد أُعيد نشره في:American Journal of International Law, vol. 172 (1947);ويُنظر:Taylor, op. cit.]، أقرّت المحكمة أن الأفراد يتحمّلون المسؤولية الجنائية المباشرة بموجب القانون الدولي عن الجرائم ضد الإنسانية، التي تشمل القتل، والإبادة، والاستعباد، والترحيل، وغيرها من الأعمال اللّاإنسانية المُرتكَبة ضد أي سُكان مدنيين، بغض النظر عمّا إذا كانت هذه الأفعال تنتهك القانون المحلي للدولة التي ارتُكبت فيها. وجاء في حُكم المحكمة أن الجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها أفراد لا كيانات مجردة، وأن إنفاذ أحكام القانون الدولي لا يتحقّق إلا بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون هذه الجرائم. كذلك، أكدت المحكمة أن المنصب الرسمي أو الأوامر الصادرة عن الرؤساء لا يشكّلان -في حد ذاتهما- دفاعًا مُعفًى من المسؤولية بموجب القانون الدولي.
وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المبادئ لاحقًا في القرار 95 (د-1) الصادر في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1946، الذي اعترف بمبادئ نورمبرغ بوصفها مبادئَ من القانون الدولي. وقد أُدرجت هذه المبادئ في برنامج عمل لجنة القانون الدولي بوصفها أساسًا لصياغة قانون مستقبلي للجرائم ضد السلام والأمن البشري.
ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان
ميثاق الأمم المتحدة هو معاهدة دولية اعتُمدت في سان فرانسيسكو في 26 حزيران/ يونيو 1945، ويتألّف من 111 مادة موزّعة على 19 فصلًا. يُدرِج هذا الميثاق حقوق الإنسان بوصفها هدفًا مُعلَنًا للنظام الدولي في المواد 1 (3) و55 و56، ويحدّد الأجهزة الرئيسة للمنظّمة، بما في ذلك مجلس الأمن، والجمعية العامة، ومحكمة العدل الدولية، والأمانة العامة.
وقد حدّدت المادة 1 (3) من الميثاق “تعزيز احترام حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية للناس جميعًا، والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب العرق، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين”، بوصفهما من مقاصد الأمم المتحدة. وألزمت المادة 55 المنظّمة بتعزيز “الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية للناس جميعًا ومُراعاتها”، في حين أن المادة 56 ألزمت جميع الدول الأعضاء بأن تتّخذ -منفردة ومشتركة- ما يلزم من إجراءات لتحقيق هذه الأهداف. فضلًا عن ذلك، أكدت ديباجة الميثاق الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية. وأسندت المادة 13 (1) (ب) للجمعية العامة صلاحية الإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية للناس كافة. وأناطت المادة 62 (2) بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي تقديم توصيات بشأنها، وألزمته المادة 68 بإنشاء لجان لتعزيزها، في حين أن المادة 76 (ج) أدرجت احترام حقوق الإنسان ضمن أهداف نظام الوصاية الدولية. وبذلك، أرسى الميثاق أساسًا قانونيًا دوليًا رسميًا للاهتمام بحقوق الإنسان بوصفها مسألة التزام دولي.
وقد اضطلع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتفصيل هذا الأساس المعياري بعد أن اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948، بموجب القرار 217 (د-3)، الذي صوّتت 48 دولة لصالحه، ولم تعارضه أي دولة، وامتنعت 8 دول عن التصويت. وقد كرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قائمة شاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوصفها “معيارًا مشتركًا للإنجاز لجميع الشعوب والأمم”. ولم يكن الإعلان معاهدة، ولم يكتسب عند اعتماده قوةً قانونية مُلزِمة بموجب قانون المعاهدات، غير أن الرأي القانوني المرجعي استقرّ على مدى العقود اللاحقة على أن أجزاءً كبيرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اكتسبت مكانة في القانون الدولي العُرفي، ما منح تلك الأحكام أثرًا قانونيًا مُلزِمًا بصرف النظر عن التصديق على معاهدات لاحقة. وقد أكدت ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الاعتراف بـ”الكرامة المتأصّلة والحقوق المُتساوية وغير القابلة للتصرّف لجميع أعضاء الأُسرة البشرية”، بوصفه “أساس الحرية والعدل والسلام في العالم”، وهي صياغة تشكّل الأساس الفلسفي للنظام الدولي لحقوق الإنسان بأكمله.
الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وانتشار المعاهدات
أصبح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد اعتمادهما عام 1966 ودخولهما حيّز النفاذ عام 1976، يشكّلان -إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وبوصفهما مُعاهدتَيْن مُلزمتَيْن، فقد نقلا المبادئ التوجيهية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى التزامات قانونية تعاهُدية قابلة للاحتجاج بها في إطار قانون المسؤولية الدولية.
شهدت العقود اللاحقة صدور سلسلة من المعاهدات المتخصّصة التي تناولت فئات محدّدة من الأشخاص أو أشكالًا مُعيَّنة من الانتهاكات. ومن أبرز هذه الصكوك: الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD، 1965)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW، 1979)، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللّاإنسانية أو المُهينة (CAT، 1984)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC، 1989)، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (ICPPED، 2006)، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD، 2006)، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق المهاجرين وأفراد أسرهم (ICRMW، 1990). ويرتبط بعددٍ من هذه الصكوك بروتوكول اختياري واحد أو أكثر، إما لتوسيع نطاق الحماية وإما لإنشاء آليات لتقديم البلاغات الفردية. وقد أدى هذا الانتشار التعاهُدي إلى تكوين منظومة من قواعد الحماية، لكنه أدى أيضًا إلى قدر من التجزئة وازدواجية الإبلاغ، ما جعل تنسيق عمل الآليات التعاهُدية موضوعًا لمساعٍ إصلاحية.
المهمة والأهداف
يتمثّل الهدف الأساسي للقانون الدولي لحقوق الإنسان في حماية كرامة الإنسان. ويتضمّن هذا المفهوم بُعدًا سلبيًا يتمثّل في التحرّر من تعسّف سلطة الدولة، ومن الإذلال، ومن التمييز، ومن الحرمان التعسّفي من الحرية والحياة؛ وبُعدًا إيجابيًا يشمل الحقّ في ظروف مادية واجتماعية تُتيح للفرد ممارسة دور إنساني فاعل. وقد أكد إعلان وبرنامج عمل ڤيينا، المعتمَدان في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في 25 حزيران/ يونيو 1993، أن “جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة”، بما رسّخ هذه المبادئ في النظام المعياري المعاصر.
ويسعى القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى تحقيق عدة أهداف هيكلية في آن واحد، وهي:
- أن يضع حدودًا قانونية معترفًا بها لممارسة سلطة الدولة، مُحوِّلًا ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه شؤونًا داخلية بحتة إلى موضوعات تخضع للالتزام القانوني الدولي والرقابة الخارجية.
- أن يحدّد حدًا أدنى من الحماية يتعيّن على الدول ضمانه بصرف النظر عن ترتيباتها الدستورية أو مستويات تنميتها أو توجّهاتها السياسية.
- أن يُنشِئ آليات إجرائية -من بينها تقديم التقارير الدورية للدول، والبلاغات الفردية، وإجراءات التحقيق، والشكاوى بين الدول، والإجراءات القضائية- يمكن من خلالها رصد الامتثال، وتحديد الانتهاكات، وتوفير سُبل الانتصاف.
المصادر
المعاهدات
تُعَدّ المعاهدة المصدر الرسمي الرئيس للقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ فمعاهدات حقوق الإنسان الدولية صكوك مُلزِمة تُنشِئ عند تصديق الدول عليها أو انضمامها إليها التزاماتٍ قانونيةً تسري لمصلحة الأفراد الخاضعين لولاية تلك الدول. ويؤدي الإخلال بالتزامات المعاهدة إلى نشوء مسؤولية دولية تستتبع، بموجب مشروعات مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا[5][مشاريع المواد المتعلّقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، اعتمدتها لجنة القانون الدولي في دورتها الثالثة والخمسين (2001)، وأحاطت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة علمًا بموجب القرار 56/83، المؤرّخ بـ12 كانون الأول/ ديسمبر 2001. لمراجعة النص يُنظر:United Nations International Law Commission, Yearbook of the International Law Commission, vol. II, Part 2 (New York: UN, 2001);ويُنظر:James Crawford, The International Law Commission’s Articles on State Responsibility: Introduction, Text and Commentaries (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2002).]، التزاماتٍ بوقف الانتهاك، وتقديم ضمانات بعدم التكرار، وجبر الضرر. ويتحدّد نطاق تطبيق الالتزامات التعاهُدية أولًا بنصّ الصكّ ذي الصلة، الذي يُفسَّر وفقًا للمادتَيْن 31 و32 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.
القانون الدولي العُرفي والتمييز بين الالتزامات في مواجهة المجتمع الدولي ككلّ والالتزامات الأخرى
يتشكّل القانون الدولي العُرفي من تلاقي ممارسة عامة ومستقرّة نسبيًا للدول مع اعتقاد قانوني بأن هذه الممارسة ملزِمة قانونًا، أو ما يُعرف بعقيدة الإلزام. وهو ملزمٌ لجميع الدول، بصرف النظر عن تصديقها على معاهدات بعينها، فالالتزامات في مواجهة المجتمع الدولي ككل هي التزامات تقع على عاتق الدولة تجاه المجتمع الدولي بأسره، بحيث يجوز لأي دولة أن تُثير مسؤولية دولة أخرى عن الإخلال بها، بغض النظر عن وقوع ضرر مباشر عليها. وقد أرست محكمة العدل الدولية هذا المفهوم في قضية شركة برشلونة للجرّ والإنارة والطاقة المحدودة (بلجيكا ضد إسبانيا)[6][ICJ, “Barcelona Traction, Light and Power Company, Limited (Belgium v. Spain),” Second Phase, Judgment, ICJ Reports, 1970, p. 3.]، إذ أشارت إلى أن بعض الالتزامات، بما في ذلك حظر الإبادة الجماعية والقواعد الأساسية المتعلّقة بحماية الإنسان، تتّسم بطابعِ الالتزامات في مواجهة المجتمع الدولي ككلّ. في المقابل، فإن قواعد القانون الدولي الآمرة هي قواعد لا يجوز الاتفاق على مخالفتها حتى بموجب معاهدة، ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من الصفة ذاتها، وفقًا للمادة 53 من اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات. تُولِّد جميع قواعد القانون الآمر التزامات في مواجهة المجتمع الدولي ككلّ، ولكن لا ترقى جميع هذه الالتزامات إلى مرتبة القواعد الآمرة.
يُعَدّ حظر التعذيب، وحظر الرقّ وتجارة الرقيق، وحظر الإبادة الجماعية، من القواعد الآمرة المعترَف بها على نطاق واسع، على نحو يُرتِّب التزامات تجاه جميع الدول، ويؤدي إلى بطلان أي معاهدة تُجيز مثل هذا السلوك. وقد أقرّت محكمة العدل الدولية بالطابع العُرفي لحظر الإبادة الجماعية في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود[7][ICJ, “Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro),” Judgment, ICJ Reports, 2007, p. 43.]. كذلك، أقرّت المحكمة بالطابع العام لحقّ تقرير المصير في قضية تيمور الشرقية (البرتغال ضد أستراليا)[8][ICJ, “East Timor (Portugal v. Australia),” Judgment, ICJ Reports, 1995, p. 90.]، مع استمرار نقاش أكاديمي بشأن ما إذا كان هذا الحقّ في جميع تطبيقاته يستوفي شروط القواعد الآمرة.
المبادئ العامة للقانون
تعترف المادة (1) (38ج) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية بأن المبادئ العامة للقانون التي أقرّتها “الأمم المتمدّنة”، تُعَدّ مصدرًا من مصادر القانون الدولي. وقد باتت عبارة “الأمم المتمدّنة” محلّ انتقاد في الفقه الدولي المعاصر، بوصفها مصطلحًا ذا إرث استعماري وأوروبي المحور. وقد تناولت لجنة القانون الدولي في أعمالها الأخيرة المتعلّقة بالمبادئ العامة للقانون (2018-2022) إشكالية هذه الصياغة وانتفاء أثرها العملي في القانون الدولي الراهن. وفي سياق حقوق الإنسان، طُبّقت مبادئ معترفٌ بها في مختلف الأنظمة القانونية الرئيسة لسدّ الثغرات في قانون المعاهدات[9][بشأن دور المبادئ العامة للقانون في منظومة حقوق الإنسان الدولية، يُنظر:Bruno Simma & Philip Alston, “The Sources of Human Rights Law: Custom, Jus Cogens, and General Principles,” The Australian Year Book of International Law, vol. 12 (1992), p. 82; Bin Cheng, General Principles of Law as Applied by International Courts and Tribunals (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).]، أو لتأسيس التزامات لا يمكن استخلاصها مباشرةً من نصوص معاهدات محدّدة. تشمل هذه المبادئ: مبدأ التناسب، الذي يُطبَّق في تقييم القيود المفروضة على الحقوق، وحظر العقوبات الجنائية بأثر رجعي، وضرورة توفير سُبل انتصاف فعّالة لانتهاكات الحقوق القانونية؛ ومبدأ عدم التمييز، الذي يظهر في مختلف الأنظمة القانونية المحلّية بأشكال متعددة.
القرارات القضائية، والقانون غير الملزم، والتفسيرات المرجعية
تنصّ المادة 38 (1) (د) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أن الأحكام القضائية وكتابات كبار الفُقهاء تُعَدّ وسائلَ مُساعِدةً لتحديد قواعد القانون الدولي. وفي القانون الدولي لحقوق الإنسان، تُشكِّل أحكام محكمة العدل الدولية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، إلى جانب المحاكم الوطنية، مجتمعةً، رصيدًا من الاجتهادات القضائية التي تؤثر في مضمون القانون وتطوّره في الممارسة العملية.
أما التعليقات والتوصيات العامة التي تعتمدها لجان معاهدات الأمم المتحدة -وقد تجاوز عددها 150 تعليقًا وتوصية عامة- بما في ذلك التعليق العام رقم 36 للجنة حقوق الإنسان بشأن الحق في الحياة بموجب المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 3 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشأن طبيعة التزامات الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فليست صكوكًا مُلزِمة قانونًا بذاتها، غير أنها تمثّل تفسيرات مرجعية لالتزامات المعاهدات، ويُتوقَّع من الدول الأطراف مُراعاتها عند الوفاء بالتزاماتها التعاهُدية بحُسن نية، وكذلك لها وزن من الناحيتَيْن النظرية والعملية في تقارير الدول، والتقاضي المحلّي، وعمليات صنع السياسات.
يشير مصطلح القانون المرن أو اللين إلى الصكوك المعيارية، مثل الإعلانات والمبادئ التوجيهية التي تعتمدها الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان، والتي تفتقر إلى القوة الملزِمة الرسمية للمعاهدات أو القانون العُرفي، لكنها تمارس مع ذلك تأثيرًا معياريًا من خلال ممارسات الدول، والتفسير المؤسَّسي، وإمكانية تحوّل بعض مضامينها إلى عُرف بمرور الوقت. ويُعَدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثالًا نموذجيًا على صكّ غير ملزم في الأصل، اكتسبت أجزاء واسعة من مضمونه -بمرور الزمن- صفة قانونية عُرفية. ومع ذلك، تحتفظ الإعلانات والقرارات والمبادئ التوجيهية عمومًا بهذه الطبيعة، فهي ذات أهمية معيارية، وقادرة على التأثير في التطوّر القانوني، ولكنها لا تكون مُلزِمة بذاتها ما لم تعكس قاعدة عُرفية أو ترتبط بالتزام تعاهُدي أو قانوني مستقلّ.
فئات الحقوق
الحقوق المدنية والسياسية
الحقوق المدنية والسياسية هي الضمانات التي تحمي الأفراد من التعسّف في استعمال سلطة الدولة، وتكفل مشاركتهم في الحياة المدنية والسياسية. ويشكّل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الأساس التعاهُدي الرئيس لهذه الحقوق على المستوى العالمي. وتشمل هذه الحقوق: الحق في الحياة (المادة 6)، الذي فسّرته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 36 (2018) بأنه يشمل التزامات إيجابية بحماية الحياة من التهديدات المتوقّعة، بما في ذلك تلك الناجمة عن التدهور البيئي والنزاعات المسلّحة؛ والحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المادة 7)؛ والحق في الحرية والأمان الشخصي (المادة 9)؛ والحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة (المادة 14)؛ وحرية الفكر والضمير والدين (المادة 18)؛ وحرية التعبير (المادة 19)؛ والحق في التجمع السلمي (المادة 21)؛ وحرية تكوين الجمعيات (المادة 22)؛ والحق في المشاركة في الشؤون العامة والتصويت والترشح للانتخابات (المادة 25).
بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تلتزم الدول بتنفيذ أحكامه فورًا، ولا يجوز إخضاعها للإعمال التدريجي. وتُجيز المادة 4 تقييد التمتّع ببعض الحقوق، عن طريق تدابير استثنائية “في حالة الطوارئ العامّة التي تهدّد حياة الأمة”، شريطة استيفاء شروط الإعلان الرسمي، والضرورة، والتناسب، وعدم التمييز على أُسس محظورة، وإخطار الأمين العام للأمم المتحدة، وألّا تتعارض تدابير الاستثناء مع الالتزامات الدولية الأخرى للدولة. وتنصّ المادة 4 (2) صراحةً على مجموعة من الحقوق غير القابلة للاستثناء، والمعروفة بالنواة الصلبة لحقوق الإنسان، وتشمل: الحق في الحياة، وحظر التعذيب أو العقوبة القاسية أو اللّاإنسانية، وحظر الرقّ والعبودية والاسترقاق، وحظر السجن لمجرد العجز عن الوفاء بالتزام تعاقُدي، وحظر العقوبات بأثر رجعي، والحقّ في الاعتراف بالشخصية القانونية، وحرية الفكر، والضمير، والدين. وقد أوضح التعليق العام رقم 29، الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (2001)، أن بعض عناصر ضمانات المُحاكمة العادلة لكل إنسان -بما في ذلك مبدأ الشرعية وحظر العقوبات بأثر رجعي بموجب المادة 15- تحتفظ بطابعها غير القابل للاستثناء أو الخروج عنه حتى في حالات الطوارئ، نظرًا إلى ارتباطها بحقوق أخرى غير قابلة للاستثناء صراحة.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
تشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في العمل، في شروط عمل عادلة ومُرضية (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للموارد، المادتان 6 و7)؛ والحق في تكوين النقابات العُمّالية والانضمام إليها (المادة 8)؛ والحق في الضمان الاجتماعي (المادة 9)؛ والحق في مستوى معيشي لائق يشمل الغذاء والملبس والسكن (المادة 11)؛ والحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية (المادة 12)؛ والحق في التعليم (المادتان 13 و14). ويُلزِم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدول بأن تتّخذ خطوات، منفردة وعن طريق المساعدة والتعاون الدوليَّيْن، ولا سيما على الصعيدَيْن الاقتصادي والتقني، وبأقصى ما تسمح به مواردها المُتاحة، من أجل تحقيق الإعمال الكامل التدريجي لهذه الحقوق (المادة 2 (1)).
يعكس مفهوم الإعمال التدريجي حاجة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى الموارد، فضلًا عن التفاوت في القدرات التنموية بين الدول، غير أنه لا يُجيز التأجيل غير المحدّد للوفاء بهذه الحقوق؛ فقد أوضحت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في التعليق العام رقم 3 (1990، الفقرة 10)، مفهومَ “الالتزام الأساسي الأدنى”، أي الحد الأدنى من مضمون كل حق، الذي يجب ضمانه بغض النظر عن قيود الموارد. ووفقًا لِلجنة، فإن الدولة الطرف التي يُحرَم فيها عدد كبير من الأفراد من المواد الغذائية الأساسية، أو من الرعاية الصحية الأوّلية الأساسية، أو المأوى والسكن الأساسيَّيْن، أو من أبسط أشكال التعليم، تُعَدّ ظاهريًا مقصّرة في الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد. علاوة على ذلك، أكد التعليق العام رقم 3 (الفقرة 9) أن أي تدابير تراجُعية (أي إجراءات تقلّص مستوى الحقوق المكتسبة) مُتعمَّدة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تُشكّل انتهاكًا مُفترَضًا للعهد، ويقع على عاتق الدولة عبء إثبات أن هذا التراجع كان مُبرَّرًا في ضوء مجمل الحقوق المكفولة بالعهد، وبالنظر إلى أقصى ما تسمح به مواردها المتاحة. أما الالتزام بعدم التمييز في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فينطبق فورًا ولا يخضع لأي إعمال تدريجي[10][لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، “التعليق العام رقم 3: طبيعة التزامات الدول الأطراف” (1990)، الفقرة 1؛ لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، “التعليق العام رقم 20: عدم التمييز في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” (2009).].
الحقوق الجماعية والتضامنية
ثمة فئة ثالثة من الحقوق تُعرَف بمسمّيات مختلفة مثل حقوق الجيل الثالث -وهو تصنيف طرحه الفقيه التشيكي الفرنسي كارل ڤاساك عام 1977[11][Karel Vasak, “A 30-Year Struggle: The Sustained Efforts to Give Force of Law to the Universal Declaration of Human Rights,” UNESCO Courier (November 1977), pp. 29-32; Carl Wellman, “Solidarity Rights Considered as Human Rights,” in: Deen K. Chatterjee (ed.), Encyclopedia of Global Justice (Dordrecht: Springer, 2011).]- أو الحقوق الجماعية، أو حقوق التضامن. وتشمل الحقوق التي تتعلّق بالشعوب أو الجماعات، لا بالأفراد وحدهم. وقد أُكّد حق الشعوب في تقرير المصير بوصفه حقًا مشتركًا في المادة (1) من كلٍّ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واعترفت به محكمة العدل الدولية بوصفه حقًا ذا طابع في مواجهة المجتمع الدولي ككلّ في قضية تيمور الشرقية. ولهذا الحق بُعدٌ خارجي، يتمثّل في حق الشعوب الخاضعة للهيمنة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي والفصل العنصري في تقرير المصير؛ وبُعدٌ داخلي، يتمثّل في حق الشعوب في المشاركة الفعّالة في الحكم ضمن هياكل الدولة القائمة. ويُعَدّ هذا التمييز أساسيًا لفهم المضمون القانوني للحق وحدوده، ولا سيما فيما يتعلّق بالمطالبات الانفصالية، التي لا يدعمها القانون الدولي عمومًا خارج السياق الاستعماري.
وقد أقرّت الأمم المتحدة الحق في التنمية في إعلانها الخاص به، المُعتمَد بموجب قرار الجمعية العامة 41/128 لعام 1986، لكنه لم يكتسب صفة المعاهدة المُلزِمة. كذلك، كان الحق في بيئة صحية موضوعًا لعدد من الاجتهادات القضائية الإقليمية والمحلّية المهمة، وتناولته محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان في فتواها رقم OC-23/17 لعام 2017[12][Inter-American Court of Human Rights, “Advisory Opinion OC-23/17 on the Environment and Human Rights,” Series A no. 23, 15 November 2017.]. وقد طرح بعض الفقهاء مفهوم الجيل الرابع لحقوق الإنسان ليشمل حقوقًا ناشئة مرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية، إلا أن هذا المفهوم لم يحظَ بعدُ بإجماع فقهي أو تكريس تعاهُدي. وتثير هذه الفئة من الحقوق جدلًا من الناحية الفقهية، بسبب استمرار الخلاف بشأن هُوية أصحاب الحقوق، والجهات المُلزَمة بها، وقابليتها للتقاضي.
عدم قابلية التجزئة والترابط والتداخل
خضع التمييز الرسمي بين فئات الحقوق تدريجيًا لمبدأ أُكّد في إعلان ڤيينا لعام [13][World Conference on Human Rights, “Vienna Declaration and Programme of Action,” UN Doc. A/CONF.157/23, 25 June 1993.]1993، ووُضّح في الاجتهادات الفقهية أو اجتهادات لجان المعاهدات؛ ومفادُه أن جميع حقوق الإنسان عالميةٌ وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة. ولهذا المبدأ آثار عملية، فهو يحذّر من تفضيل فئة من الحقوق على غيرها، ويدعم اتّباع نهج متكامل في التنفيذ. وقد استندت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إليه لتأكيد أن الضمانات المدنية والسياسية، مثل الوصول الفعّال إلى المحاكم، والحماية من الاحتجاز التعسّفي، والحصول على المعلومات، تُعَدّ شروطًا أساسية للتمتّع الفعلي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بناءً على ذلك، فإن الضمانات المدنية والسياسية الرسمية تصبح محدودة الأثر في غياب التمثيل القانوني، ومستوى كافٍ من التعليم، والحد الأدنى من الأمن المادي.
التزامات الدولة
الإطار الثلاثي
تطوّر إطار التزامات الدول أساسًا من خلال الملاحظة السابقة لهيئات المعاهدات وعمل منظومة الأمم المتحدة، حتى صُنّف إلى ثلاثة مستويات من الالتزامات التي تنطبق على نطاق حقوق الإنسان كاملًا. أما الأول فيتمثّل في الالتزام بالاحترام الذي يفرض على الدولة الامتناع عن التدخّل في التمتّع بحقوق الإنسان أو تقييده. وأما الثاني فيتمثل في الالتزام بالحماية الذي يُوجب على الدول منع الأطراف الثالثة، بما في ذلك الأفراد والشركات والجماعات المُسلَّحة غير الحكومية، من المَساس بحقوق الأشخاص الخاضعين لولايتها؛ وذلك من خلال التنظيم والإنفاذ وتوفير سُبل انتصاف فعّالة. وأما الثالث فيتمثل في الالتزام بالإعمال الذي يقتضي اتّخاذَ الدولة التدابير التشريعية والإدارية والقضائية والمالية اللازمة لتيسير التمتّع بالحقوق وتمكين الأفراد من ممارستها.
وقد طُوّر هذا التصنيف بشكله الحالي أساسًا من خلال عمل أسبيورن إيدي، بصفته المقرّر الخاص للأمم المتحدة المَعني بالحق في الغذاء في ثمانينيات القرن العشرين، مستندًا إلى إطار ثلاثي طرحه هنري شو في كتابه الحقوق الأساسية (1980)[14][Asbjørn Eide, “The Right to Adequate Food as a Human Right,” UN Doc. E/CN.4/Sub.2/1987/23 (1987); Henry Shue, Basic Rights: Subsistence, Affluence, and U.S. Foreign Policy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1980);لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، “التعليق العام رقم 12” (1999)، الفقرتان 14-15.]. واعتمدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا الإطار الثلاثي صراحة في التعليق العام رقم 12 (1999) بشأن الحق في الغذاء الكافي. ومُنذئذٍ، طُبّق هذا الإطار على مُجمل فقه هيئات المعاهدات، وامتدّ ليشمل الحقوق المدنية والسياسية من خلال ممارسات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمحاكم الإقليمية.
الالتزامات ببذل العناية والالتزامات بتحقيق النتيجة
يميّز القانون الدولي بين التزامات السلوك، التي تُلزِم الدول باتّخاذ إجراءات محدّدة أو الامتناع عن أفعال محدّدة؛ والتزامات النتيجة، التي تُلزِم الدول بتحقيق نتائج مُعيَّنة مع احتفاظها بهامش في اختيار الوسائل الملائمة. ويشمل القانون الدولي لحقوق الإنسان كلا النوعَيْن؛ فالتزامُ الامتناع عن التعذيب التزامٌ سلوكي يقتضي الامتثال الفوري، ولا يتوقّف على توفّر الموارد؛ أما التزامُ تحقيق التعليم الابتدائي الشامل فهو التزام بنتيجةٍ يسمح بالتنفيذ التدريجي ضمن حدود الموارد المُتاحة. وتقدّم مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (2001) الإطارَ العامَّ لتحديد المسؤولية عن الانتهاكات، وتحديد آثارها القانونية في كلا النوعَيْن من الالتزامات.
الوقاية والتحقيق والمساءلة والتعويض
أرست الاجتهادات القضائية الدولية، ولا سيما الصادرة عن محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مبدأ أن الدول تتحمّل التزامات إجرائية ملازمة للحقوق الموضوعية، وأن هذه الالتزامات تنشأ عند وقوع انتهاك جسيم، أو عند وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوعه أو بإمكان توقّعه. وقد أقرّت محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، في حُكمها في قضية فيلاسكيز رودريغيز ضد هندوراس[15][Inter-American Court of Human Rights, “Velásquez Rodríguez v. Honduras,” Merits, Judgment, Series C No. 4, 29 July 1988.]، الصادر في 29 تموز/ يوليو 1988، أن الدول مُلزَمة بالتحقيق في انتهاكات الحق في الحياة، وتحديد المسؤولين عنها ومعاقبتهم، وتقديم تعويضات كافية. ومنذ ذلك الحين، طوّرت المحكمة اجتهادات قضائية بشأن جبر الضرر؛ تشمل: ردّ الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.
وقد دُوّنت هذه الالتزامات على المستوى العالمي في المبادئ والتوجيهات الأساسية للأمم المتحدة بشأن الحقّ في الانتصاف والجبر[16][الأمم المتحدة، الجمعية العامة، “المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني”، قرار الجمعية العامة 60/147، 16 كانون الأول/ ديسمبر 2005.] لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخَطِرة للقانون الدولي الإنساني، المُعتمَدة بقرار الجمعية العامة 60/147 في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2005. ولأغراض هذه المبادئ، يُعرّف “الضحايا” بأنهم الأشخاص الذين لَحِق بهم ضرر، فُرادى أو جماعات، بما في ذلك الضرر الجسدي، أو النفسي، أو العاطفي، أو الاقتصادي، أو الإضرار الجوهري بحقوقهم الأساسية، نتيجة أفعال أو حالات امتناع تشكّل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
الحق في معرفة الحقيقة
يرتبط الحقّ في معرفة الحقيقة بإطار جبر الضرر، لكنه يختلف عنه تحليليًا. وقد تطوّر هذا الحقّ في البداية في سياق حالات الاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء ضمن منظومة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، ولا سيما من خلال المحكمة واللجنة الأميركتَيْن لحقوق الإنسان. ويشمل هذا الحق حقّ الضحايا وأُسرهم والمجتمع في معرفة الوقائع المُحيطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهُوية الجُناة، والعمليات المؤسَّسية التي أدت إلى وقوعها. وقد اعتُرف به بوصفه حقًا مستقلًا ضمن منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو يتجاوز نطاق التعويضات الفردية ليشمل الذاكرة التاريخية، والمُساءلة المؤسَّسية، وضمانات عدم التكرار.
وقد تناولت الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان الحقّ في معرفة الحقيقة في قرارات مُخصَّصة، من بينها قرار مجلس حقوق الإنسان 9/11 لعام 2008[17][مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، “القرار 9/11: الحق في معرفة الحقيقة”، A/HRC/RES/9/11، 24 أيلول/ سبتمبر 2008.]، الذي يؤكد حقّ الأفراد في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتعكس ولاية المقرّر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان عام 2011، هذا التطوّر. وبالمثل، أقرّت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الحقّ في معرفة الحقيقة في سياق الانتهاكات الجسيمة. وقد أُدرج هذا الحق أيضًا في أُطر العدالة الانتقالية المحلّية في عدد من الولايات القضائية.
الالتزامات خارج الحدود الإقليمية
يُعَدّ النطاق القضائي لالتزامات معاهدات حقوق الإنسان مسألة قانونية مثيرة للجدل وذات أهمية متزايدة. وقد حدّدت الصيغة الكلاسيكية المستمدّة من المادة 2 (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية نطاق التزامات الدولة تجاه “الأفراد الموجودين في إقليمها والخاضعين لولايتها”. غير أن مفهوم “الولاية” فُسّر على أنه لا يقتصر دائمًا على الولاية الإقليمية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري أو فتواها بشأن الآثار القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلّة، الصادرة في 9 تموز/ يوليو 2004، أن كلًّا من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يمكن أن ينطبقا على أفعال الدولة عندما تمارس ولايتها خارج إقليمها، كما في حالة الأراضي المُحتلّة[18][ICJ, “Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory,” Advisory Opinion, ICJ Reports 2004, p. 136, paras. 107-113; Marko Milanovic, Extraterritorial Application of Human Rights Treaties: Law, Principles, and Policy (Oxford: Oxford University Press, 2014), pp. 82-105.].
وطوّرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اجتهادًا تفصيليًا بشأن الاختصاص خارج الحدود الإقليمية بموجب المادة 1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، استنادًا إلى معيارَيْن رئيسَيْن: الأول السيطرة الفعلية على الإقليم، كما في قضية لويزيدو ضد تركيا[19][European Court of Human Rights, “Loizidou v. Turkey,” Preliminary Objections, App. No. 15318/89, Judgment of 23 March 1995.]، حيث خلصت المحكمة إلى أن تركيا تمارس اختصاصها القضائي على شمال قبرص من خلال وجودها العسكري؛ والثاني السيطرة الفعلية على الفرد، كما في قضية السكيني وآخرين ضد المملكة المتحدة[20][European Court of Human Rights, Grand Chamber, “Al-Skeini and Others v. the United Kingdom,” App. No. 55721/07, Judgment of 7 July 2011.]. تَنتُج من هذَيْن المعيارَيْن آثار قانونية مختلفة، ولا يزال التفاعلُ بينهما في سياقات عملياتية معقدة، ولا سيما العمليات العسكرية الخارجية التي تجمع بين السيطرة الإقليمية والاحتجاز الفردي، غيرَ محسوم بصورة كاملة.
وقد أسهم ماركو ميلانوڤيتش في تطوير التحليل الأكاديمي لهذا المجال، إذ ميّز بين الاختصاص المكاني القائم على السيطرة الفعلية على الإقليم، والاختصاص الشخصي القائم على السيطرة الفعلية على الفرد، مُشيرًا إلى أن الالتزامات المترتّبة قد تختلف في نطاقها ومضمونها تبعًا للنموذج المُطبَّق. كذلك، أسهم حُكم الدائرة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية حسن ضد المملكة المتحدة[21][European Court of Human Rights, Grand Chamber, “Hassan v. the United Kingdom,” App. No. 29750/09, Judgment of 16 September 2014.]، الصادر في 16 أيلول/ سبتمبر 2014، في زيادة تعقيد الإطار القانوني، من خلال تناوله تفاعل التزامات الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان خارج الحدود الإقليمية مع القانون الدولي الإنساني في سياق الاحتجاز في أثناء النزاعات المُسلَّحة الدولية[22][Ibid., paras. 97-107;أقرّت المحكمة بإمكانية تفسير المادة 5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بما يتوافق مع صلاحيات الاحتجاز بموجب اتفاقيتَي جنيف الثالثة والرابعة في أثناء النزاعات المُسلّحة الدولية، بدلًا من عَدّ النظامَيْن مُتعارضَيْن. يُنظر:Marko Milanovic, “The Lost Origins of Lex Specialis: Rethinking the Relationship between Human Rights and International Humanitarian Law,” in: Jens David Ohlin (ed.), Theoretical Boundaries of Armed Conflict and Human Rights (New York: Cambridge University Press, 2016).]. وقد أدخل الحُكم قدرًا من التوفيق بين معايير القانون الدولي الإنساني وتحليل الاتفاقية، وهو نهجٌ يقوم على الانسجام بين نظامَي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بدلًا من افتراض تعارضهما، ولا يزال محلّ نقاش فقهي.
وقد برزت مسائل الالتزام خارج الحدود الإقليمية بصورة متزايدة في سياق العمليات العسكرية الخارجية، ومراقبة الحدود البحرية، وإسهامات الدول في الأضرار العابرة للحدود، بما في ذلك تغيّر المُناخ. وقرّرت محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، في فتواها رقم OC-23/17 بشأن البيئة وحقوق الإنسان، الصادرة في 15 تشرين الثاني/ نوڤمبر 2017، أن الدول الأطراف في الاتفاقية الأميركية تتحمّل التزامات بمنع الأضرار البيئية العابرة للحدود، التي قد تمسّ الحق في الحياة والسلامة الشخصية، حتى عندما يقع الضرر خارج أراضي الدولة الفاعلة. ولا تزال مسألةُ ما إذا كانت الدول تمارس ولايةً قانونية، في إطار معاهدات حقوق الإنسان العالمية بشأن الأضرار المُناخية الواقعة في دول ثالثة، وتحت أي شروط، مسألةً مفتوحةً ومحلَّ نقاش مستمرّ.
العلاقة مع المجالات ذات الصلة من القانون الدولي
القانون الدولي الإنساني
يُطبَّق كلٌّ من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بالتزامن في حالات النزاع المُسلَّح. ويُعَدّ القانون الدولي الإنساني، الذي يتألّف أساسًا من اتفاقيات جنيڤ الأربع المؤرّخة بـ12 آب/ أغسطس 1949، وبروتوكولاتها الإضافية المؤرّخة بـ8 حزيران/ يونيو 1977، والقانون الدولي الإنساني العُرفي كما دوّنته دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 2005، القانونَ الخاص في جوانب النزاع المُسلَّح التي ينظّمها على نحوٍ أكثر تحديدًا. وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا التطبيق المتزامن في فتواها بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها[23][ICJ, “Legality of the Threat or Use of Nuclear Weapons,” Advisory Opinion, ICJ Reports 1996, p. 226.]، الصادرة في 8 تموز/ يوليو 1996، وفصّلته في فتواها بشأن الجدار[24][ICJ, “Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory,” p. 136.]، حيث رأت أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يستمرّ في التطبيق في أثناء النزاعات المُسلَّحة جنبًا إلى جنب مع القانون الدولي الإنساني، وأنه عندما تختلف نتائج النظامَيْن القانونيَّيْن بشأن مسألة مُعيَّنة، فإن مبدأ القانون الخاص يساعد في تحديد القاعدة الأكثر انطباقًا على تلك المسألة.
ومع ذلك، فإن تطبيق مبدأ القانون الخاص يقيّد القانون العام أو يُقدَّم عليه (lex specialis derogat legi generali) في الواقع العملي[25][ICJ, “Legality of the Threat or Use of Nuclear Weapons,” p. 226, para. 25; International Law Commission, “Fragmentation of International Law: Difficulties Arising from the Diversification and Expansion of International Law,” Report of the Study Group, UN Doc. A/CN.4/L.682, 2006, paras. 46-122; Marco Sassòli, International Humanitarian Law: Rules, Controversies, and Solutions to Problems Arising in Warfare (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2019), pp. 517-545.]، فكثيرًا ما يُفضي القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان إلى نتائج مختلفة بشأن مسائل جوهرية، مثل الاستخدام المسموح به للقوة المُميتة، وظروف الاحتجاز، ومعاملة المدنيين في الأراضي المحتلة، من دون أن يكون من الواضح دائمًا أيّ النظامَيْن يقدّم القاعدةَ الأكثر تحديدًا. كذلك فإن إعمال هذا المبدأ لا يُغني عن الالتزامات العامة المتعلّقة بحقوق الإنسان في سياقات النزاع، بل يقتضي تحليلًا دقيقًا لكل حالة على حدة للمعيار المحدّد محلّ النزاع. وقد تناولت الدائرة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في قضية “حسن ضد المملكة المتحدة” عام 2014، هذه الصعوبة في سياق صلاحيات الاحتجاز بموجب القانون الدولي الإنساني، والمادة 5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إذ راعت معايير القانون الدولي الإنساني ضمن تحليل الاتفاقية بدلًا من اللجوء إلى تطبيق صارم ومجرّد لمبدأ القانون الخاص. ولا يزال هذا النهج التوفيقي موضوع نقاش أكاديمي وقضائي مستمرّ.
القانون الدولي الجنائي
يتشارك القانون الدولي الجنائي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في مضمون معياري متداخل، ولا سيما في حظر التعذيب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. غير أنهما يعملان من خلال هياكل قانونية مختلفة؛ فالقانون الجنائي الدولي يُرسي المسؤولية الجنائية الفردية، ويُنفَّذ من خلال المحكمة الجنائية الدولية المُنشَأة بموجب نظام روما الأساسي المُعتمَد في 17 تموز/ يوليو 1998، والمحاكم الخاصة والمختلطة، والمحاكم الوطنية التي تمارس الاختصاص العالمي؛ أما القانون الدولي لحقوق الإنسان، فيُرسي أساسًا مسؤولية الدولة عن انتهاك التزاماتها الدولية.
يعزّز هذان المجالان بعضهما، إذ تُسهم أنماط الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في توجيه تقييمات أجهزة الادّعاء في المحكمة الجنائية الدولية بشأن المقبولية والخطورة، بموجب المادتَيْن 17 و53 من نظام روما الأساسي. كذلك، أسهمت أحكام المحاكم الجنائية الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلاڤيا السابقة، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والمحكمة الخاصة بسيراليون، والمحكمة الجنائية الدولية، في التفسير المرجعي للمحظورات الموضوعية الأساسية المشتركة بين المجالَيْن. كذلك فإن إدراج نظام روما الأساسي للجرائم القائمة على النوع الاجتماعي ضمن الجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7 (1) (ز)، وضمن جرائم الحرب بموجب المادتَيْن 8 (2) (ب) (22) و8 (2) (هـ) (6)، في النزاعات المُسلَّحة الدولية وغير الدولية، قد أسهم في إغناء المحتوى المعياري لحماية حقوق المرأة في النزاعات في كلا المجالَيْن.
قانون اللاجئين
تُرسِّخ اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين[26][“Convention Relating to the Status of Refugees,” 189 UNTS 137, 28 July 1951; “Protocol Relating to the Status of Refugees,” 606 UNTS 267, 31 January 1967; James C. Hathaway, The Rights of Refugees under International Law, 2nd ed. (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2021); Guy S. Goodwin-Gill, Jane McAdam & Emma Dunlop, The Refugee in International Law, 4th ed. (Oxford, UK: Oxford University Press, 2021).] وبروتوكولها لعام 1967 نظام حماية للأشخاص الذين يوجدون خارج بلد جنسيتهم بسبب خوف مُبرَّر من الاضطهاد لأسباب تتعلّق بالعرق، أو الدين، أو الجنسية، أو الانتماء إلى فئة اجتماعية مُعيَّنة أو رأي سياسي، ويكونون غير قادرين أو غير راغبين في الاستفادة من حماية ذلك البلد. ويُعَدّ مبدأ عدم الإعادة القسرية، أي حظر إعادة أي شخص إلى إقليم يواجه فيه خطرًا جسيمًا بالاضطهاد أو غيره من الأضرار الجسيمة، قاعدةً من قواعد القانون الدولي العُرفي، ويُعَدّ مُلزِمًا لجميع الدول بصرف النظر عن تصديقها على المعاهدة.
تُكفل الحماية من الإعادة القسرية أيضًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر إعادة أي شخص إلى دولة توجد فيها أسباب جوهرية للاعتقاد بأنه سيواجه خطر التعذيب؛ ومن خلال اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بموجب المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وفّرت حماية مماثلة في الحالات التي تنطوي على خطر حقيقي للتعرّض للمعاملة اللّاإنسانية أو المُهينة في الدولة المستقبلة، كما في قضية سورينغ ضد المملكة المتحدة. وقد أقرّت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 36، ولا سيما الفقرة 62، بأن ظروف تغيُّر المُناخ التي تُسبِّب خطرًا حقيقيًا على الحقّ في الحياة، قد تُنشئ التزامات بعدم الإعادة القسرية، على الرغم من أن نطاق هذا الالتزام وشروطه في سياق النزوح المُناخي لا يزالان غير محسومَيْن[27][Human Rights Committee, “General Comment No. 36 on Article 6 of the International Covenant on Civil and Political Rights, on the Right to Life,” CCPR/C/GC/36, 2018, para. 62; Human Rights Committee, “Teitiota v. New Zealand,” Communication No. 2728/2016, CCPR/C/127/D/2728/2016, Views adopted on 7 January 2020, paras. 9.4-9.14.].
العدالة الانتقالية والديمقراطية وسيادة القانون
لا يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان شكلًا حكوميًا محدّدًا بوصفه التزامًا مُلزِمًا، إلا أن الحق في المشاركة السياسية (المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وحرية التعبير (المادة 19)، والحق في المحاكمة العادلة (المادة 14)، إلى جانب الالتزامات الإجرائية المتمثّلة في التحقيق والمُساءلة وجبر الضرر، تشكّل جميعها متطلّبات تتحقّق على نحوٍ أكثر اتّساقًا ضمن أُطر الحُكم الديمقراطي وسيادة القانون.
وفي سياقات ما بعد النزاع والمراحل الانتقالية، وُضّحت الالتزامات الإجرائية والموضوعية للقانون الدولي لحقوق الإنسان بوصفها عناصرَ أساسيةً للعدالة الانتقالية. وقد وضع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، بعنوان “سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات النزاع وما بعد النزاع”، الصادر في 23 آب/ أغسطس 2004، إطارًا معياريًا يربط بين سيادة القانون والمُساءلة وحماية حقوق الإنسان في سياقات الانتقال.
وقد قضت محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان بأن قوانين العفو التي تشمل الجرائم ضد الإنسانية تتعارض مع الاتفاقية الأميركية، وذلك في قضية باريوس ألتوس ضد بيرو[28][Inter-American Court of Human Rights, “Barrios Altos v. Peru,” Series C No. 75, Merits, Judgment of 14 March 2001.]، بالحُكم الصادر في 14 آذار/ مارس 2001، وهو حكمٌ أثّر في قانون العدالة الانتقالية وممارستها. وتتّسم العلاقة بين العدالة الانتقالية والقانون الدولي لحقوق الإنسان بطابع تبادُلي، إذ تُهيِّئ سيادة القانون الشروط المؤسَّسية اللازمة للتنفيذ الفعّال لحقوق الإنسان، في حين أن التزامات حقوق الإنسان، بما في ذلك حظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة، وضمانات الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسَّسي، توفّر مضمونًا يجب أن يحقّقه أي إطار انتقالي للوفاء بالالتزامات الدولية.
الهيكل المؤسسي والآليات
لجان معاهدات الأمم المتحدة والبلاغات الفردية
أنشأت كلّ معاهدة من معاهدات الأمم المتحدة التسع لحقوق الإنسان لجنة رصد مؤلَّفة من خبراء مُستقلّين يعملون بصفتهم الشخصية. وتمارس هذه اللجان أربع وظائف رئيسة، هي: مراجعة التقارير الدورية للدول واعتماد الملاحظات الختامية؛ وإصدار تعليقات عامة أو توصيات عامة لتفسير التزامات المعاهدة؛ والنظر في البلاغات الفردية التي تدّعي وقوع انتهاكات من جانب الدول التي قبلت البروتوكول الاختياري أو الإجراء ذا الصلة؛ وإجراء تحقيقات بموجب بعض الصكوك في حالات الانتهاكات الجسيمة أو المنهجية.
وقد أنشأ البروتوكول الاختياري الأوّل، المُلحَقُ بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمُعتمَد عام 1966، الذي دخل حيّز النفاذ بالتزامن مع العهد عام 1976، آليةَ البلاغاتِ الفردية أمام اللجنة المعنية بحقوق الإنسان. وبموجب هذه الآلية، يجوز للأفراد الذين يدّعون أنهم ضحايا انتهاكٍ لحقٍّ من الحقوق المنصوص عليها في العهد من جانب دولة طرف صدّقت على البروتوكول، أن يقدّموا بلاغًا إلى اللجنة بعد استنفاد سُبل الانتصاف المحلّية. بعد ذلك، تُصدر اللجنة آراء بشأن هذه البلاغات، وهي ليست أحكامًا قضائية مُلزِمة رسميًا، لكنها تشكّل قرارات رسمية يُتوقّع من الدول الأطراف تنفيذها بحُسن نية. يمثّل هذا الإجراء، إلى جانب الآليات المماثلة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، أحد السُّبل الرئيسة لمُساءلة الدول عن انتهاكات حقوق الأفراد على المستوى الدولي.
تُرسِّخ اتفاقية مناهضة التعذيب آليتَيْن إضافيتَيْن؛ إذ تنصّ المادة 20 على إجراء تحقيق يسمح للجنةِ مُناهضةِ التعذيب بالتحقيق في حالات التعذيب المنهجي في الدول الأطراف التي لم تتحفّظ على هذا الاختصاص، في حين أن المادة 21 تنصّ على آلية للشكاوى بين الدول، رهنًا بقَبول الدولة الطرف لهذا الاختصاص. وقد استُخدم إجراء التحقيق في عدد محدود من القضايا، وهو يمثّل آلية مُساءلة مستقلّة تتجاوز المراجعة الدورية والبلاغات الفردية.
وقد أصدرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان مجموعة من الآراء والتفسيرات المرجعية من خلال نظرها في البلاغات الفردية واعتمادها التعليقات العامة. ويمثّل التعليق العام رقم 31 (2004) بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، البيانَ الأشمل الصادر عن اللجنة بشأن الإطار العام لالتزامات الدول. وبالمثل، طوّرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المُنشَأة بموجب قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1985/17، تفسيرًا مرجعيًا لالتزامات العهد من خلال تعليقات عامة، من بينها التعليق العام رقم 14 (2000) بشأن الحق في الصحة، والتعليق العام رقم 15 (2002) بشأن الحق في المياه[29][Committee on Economic, Social and Cultural Rights, “General Comment No. 14: The Right to the Highest Attainable Standard of Health,” E/C.12/2000/4 (2000); Committee on Economic, Social and Cultural Rights, “General Comment No. 15: The Right to Water,” E/C.12/2002/11 (2002);وقد أُنشئت اللجنة بموجب قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة رقم 1985/17، الصادر في 28 أيار/ مايو 1985. يُنظر:Ben Saul, David Kinley & Jacqueline Mowbray, The International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights: Commentary, Cases, and Materials (Oxford, UK: Oxford University Press, 2014).].
مجلس حقوق الإنسان والإجراءات الخاصة والاستعراض الدوري الشامل
يُعَدّ مجلس حقوق الإنسان، المُنشَأ بموجب قرار الجمعية العامة 60/251، الصادر في 15 آذار/ مارس 2006، الهيئة الحكومية الدولية الرئيسة المسؤولة عن تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها داخل منظومة الأمم المتحدة. وتشمل آلياته المؤسَّسية إجراءات خاصة موضوعية وأخرى قُطرية، يضطلع بها خُبراء مستقلّون ومقرّرون خاصون وأفرقة عمل، وتتجاوز ولاياتها الموضوعية 40 ولاية، إلى جانب عدد من الولايات الخاصة بحالات بلدان محددة[30][United Nations General Assembly, “Resolution 60/251,” A/RES/60/251, 15 March 2006;وبشأن الإجراءات الخاصة، يُنظر:Human Rights Council, “Resolution 5/1: Institution-Building of the United Nations Human Rights Council,” 18 June 2007, Section III; Aoife Nolan, Rosa Freedman & Thérèse Murphy (eds.), The United Nations Special Procedures System (Leiden: Brill Nijhoff, 2017); “Directory of Special Procedures Mandate Holders,” OHCHR, 31/12/2024, accessed on 24/9/2026, at: https://acr.ps/hBya0Zy]. ويُجري المُكلَّفون بولايات الإجراءات الخاصة زيارات قُطرية، ويرسلون رسائل ادّعاء ونداءات عاجلة إلى الدول، طالبين إليها تقديم ردود خلال أجل محدّد. وينشرون تقاريرَ موضوعية وقُطرية تُقدَّم إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة. وتعمل آلية الاتصالات التابعة لنظام الإجراءات الخاصة بشكل مستقلّ عن هيئات المعاهدات، إذ لا تشترط أن تكون الدولة المعنية طرفًا في معاهدة بعينها، بل تستند إلى ولاية مجلس حقوق الإنسان ذاتها. تُتيح هذه الآلية للمُكلَّفين بالولايات مخاطبة الحكومات بشأن ادّعاءات فردية أو أنماط ممنهجة من انتهاكات حقوق الإنسان، وطلب ردود رسمية منها. تكتسب هذه الآلية أهمية لكونها مُتاحة بغض النظر عن حالة تصديق الدولة على البروتوكولات الاختيارية التي تُنشِئ إجراءات للبلاغات الفردية.
يُخضِع الاستعراض الدوري الشامل، المُنشَأ بموجب القرار 60/251، جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمراجعة دورية تُجريها الدول الأعضاء الأخرى (مراجعة النظراء) لسجلّاتها في مجال حقوق الإنسان كل أربع سنوات ونصف السنة. ويُعدّ أشمل آليات مراجعة حقوق الإنسان من حيث النطاق العالمي. وعلى الرغم من أن توصيات الاستعراض الدوري الشامل ليست مُلزِمة قانونًا، وأن تنفيذها يعتمد في الأصل على التزام الدولة السياسي، فإن لها أهمية عملية في المناصرة، والمتابعة، وبناء السجلّ العلني للمُساءلة.
النُّظم الإقليمية لحقوق الإنسان
تُكمِل النُّظُم الإقليمية لحقوق الإنسان الإطار العالمي من خلال العمل داخل فضاءات قانونية وجغرافية محدّدة، ومن خلال توفير آليات حماية وإنفاذ أقوى في بعض الحالات، ولا سيما في أوروبا والأميركتَيْن.
ويُعَدّ النظامُ الأوروبي، المتمحورُ حول الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المُعتمَدة في 4 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1950، التي دخلت حيّز النفاذ في 3 أيلول/ سبتمبر 1953، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، من أكثر النظم الإقليميَّة تطوّرًا من حيث الطابع القضائي والإنفاذي. وتُلزِم أحكام المحكمة الدول المُدّعى عليها بموجب المادة 46 من الاتفاقية، وتشرف لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوروبا على تنفيذها. وقد راكمت المحكمة اجتهادًا يمتدّ إلى عشرات الآلاف من الأحكام. ومن أهمّ التطوّرات الفقهية في هذا النظام مبدأ الهامش التقديري، الذي تَمنح بموجبه المحكمةُ الدولَ درجةً من السلطة التقديرية في تطبيق حقوق الاتفاقية، ولا سيما في مجالات السياسات الاجتماعية أو الأخلاقية محلّ الخلاف، حيث لا يوجد إجماع أوروبي واضح. وقد أُدرج المبدأ في نص الاتفاقية من خلال البروتوكول رقم 15، الذي أضاف إلى الديباجة إشارة إلى مبدأ التبعية وهامش التقدير.
يتألّف النظام الأميركي من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان، أو ميثاق سان خوسيه المُعتمَد في 22 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1969، والنافذ في 18 تموز/ يوليو 1978؛ ومن لجنة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان؛ ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، التي تتمتّع باختصاص إلزامي لدى الدول التي اعترفت بها. وقد أنتجت الاجتهادات القضائية والآراء الاستشارية لمحكمة البلدان الأميركية تطوّراتٍ معيارية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، بدءًا من الأحكام التأسيسية المتعلّقة بمسؤولية الدولة عن الاختفاء القسري في قضية فيلاسكيز رودريغيز، وصولًا إلى الحقوق في المشاركة السياسية، والحقوق الإنجابية المفهومة في ضوء الحياة الخاصة والأُسرية، كما في قضية أرتيفيا موريلو وآخرين ضد كوستاريكا، والحق في بيئة صحية[31][“American Convention on Human Rights (Pact of San José),” OAS Treaty Series No. 36, 1144 UNTS 123, 22 November 1969; Inter-American Court of Human Rights, “Velásquez Rodríguez v. Honduras”; Inter-American Court of Human Rights, “Artavia Murillo et al. (In Vitro Fertilization) v. Costa Rica,” Preliminary Objections, Merits, Reparations and Costs, Series C No. 257, Judgment of 28 November 2012; Jo M. Pasqualucci, The Practice and Procedure of the Inter-American Court of Human Rights, 2nd ed. (New York: Cambridge University Press, 2013).].
ويعمل النظام الأفريقي من خلال الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، أو ميثاق بانجول، المُعتمَد في 27 حزيران/ يونيو 1981، والنافذ في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1986؛ ومن خلال اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب؛ والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التي قبلت ولايتها القضائية الإلزامية دولًا محدودة العدد. يتميّز ميثاق بانجول بإدراجه حقوق الشعوب، بما في ذلك الحق في تقرير المصير، والحق في الموارد الطبيعية، والحق في بيئة سليمة، إلى جانب الحقوق الفردية؛ وبإدراجه واجبات الأفراد تجاه المجتمع.
وعلى الصعيد العربي، يمثّل الميثاق العربي لحقوق الإنسان، المُعتمَد من مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في تونس في 23 أيار/ مايو 2004، والنافذ في 15 آذار/ مارس 2008، الصكَّ الإقليمي الرئيس في مجال حقوق الإنسان. وقد أنشأ الميثاق لجنة حقوق الإنسان العربية المكلّفة بالنظر في التقارير الدورية التي تقدّمها الدول الأطراف. ويتضمّن أحكامًا بشأن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أثار هذا الميثاق نقاشًا فقهيًا بشأن مدى توافق بعض أحكامه مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلّق بعقوبة الإعدام على الأطفال وتعريف التمييز[32][الميثاق العربي لحقوق الإنسان، اعتُمد في 23 أيار/ مايو 2004، ودخل حيز النفاذ في 15 آذار/ مارس 2008. يُنظر:Mervat Rishmawi, “The Arab Charter on Human Rights and the League of Arab States: An Update,” Human Rights Law Review, vol. 10, issue 1 (2010), pp. 169-178; Ahmed Almutawa & Elham Manea, “The Arab Charter on Human Rights,” in: Mehran Kamrava (ed.), Routledge Handbook of Persian Gulf Politics (Milton: Taylor & Francis Group, 2020).].
المحاكم المحلية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني
تُعَدّ المحاكم المحلّية المنتدى الرئيس لتطبيق حقوق الإنسان في الحياة اليومية. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في التعليق العام رقم 31، على ضرورة الاعتراف بمبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بوصفها قابلة للتطبيق داخل النظام القانوني المحلّي.
وتُعَدّ المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، المُنشَأة وفق مبادئ باريس المُعتمَدة بقرار الجمعية العامة 48/134 في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1993، آليات إضافية للمُساءلة المحلّية، شريطة أن تكون مستقلّة مؤسَّسيًا، ومتعدّدة التكوين، ومُزوَّدة بموارد كافية؛ فهي تتلقّى الشكاوى الفردية وتُحقِّق فيها، وتُجري تحقيقات وطنية، وتُقدِّم تقاريرَ مُوازيةً إلى لجان معاهدات الأمم المتحدة، وتُقدِّم المشورة للحكومات والبرلمانات بشأن توافق التشريعات والسياسات مع حقوق الإنسان. ويُدير التحالفَ العالميَّ للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان نظامُ اعتمادٍ يُصنِّف المؤسسات في مستويَيْن نشطَيْن: المستوى (أ)، الذي يدلّ على الامتثال الكامل لمبادئ باريس؛ والمستوى (ب)، الذي يدلّ على عدم الامتثال الكامل أو على عدم كفاية المعلومات المُقدَّمة. وقد أُلغي المستوى (ج) من إطار الاعتماد عام 2016. وتختلف جودة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان واستقلاليتها بين الولايات القضائية، ويُعَدّ اعتماد المستوى (أ) المعيارَ المُعترَف به دوليًا للاستقلال المؤسَّسي والامتثال لمبادئ باريس.
تؤدي منظمات المجتمع المدني، بما فيها منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية، ومراكز التوثيق، ومقدّمو المساعدة القانونية، والمدافعون عن حقوق الإنسان على مستوى المجتمعات المحلّية، أدورًا مركزية في عمل النظام؛ فهي توثّق الانتهاكات، وتقدّم تقاريرَ مُوازيةً إلى هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، وتُمثِّل الضحايا أمام المحاكم واللّجان، وتراقب امتثال الدول للتوصيات، وتمارس ضغطًا سياسيًا ومجتمعيًا من أجل المُساءلة والإصلاح التشريعي. وفي الدول العربية، تواجه منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان تحديات تتعلّق بالبيئة التشريعية الخاصة بعمل الجمعيات في عدد من هذه الدول، وإن كانت بعض المؤسسات العربية الوطنية لحقوق الإنسان قد حصلت على الاعتماد وفقًا لمبادئ باريس، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر. كذلك فإن وصولها إلى آليات الأمم المتحدة، بما في ذلك من خلال المركز الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، يجعلها مكوّنًا هيكليًا في بنية الرصد والإنفاذ.
تحديات التنفيذ والإنفاذ
السيادة والانتقائية والتسييس
يُعَدّ غيابُ آليات إنفاذ إلزامية مماثلة لتلك المُتاحة في الأنظمة القانونية المحلية، قيدًا هيكليًّا في القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ فلا توجد -على المستوى العالمي- آلية دولية ذات سلطة تنفيذية مُلزِمة قادرة على إجبار دولة تختار عدم الامتثال لتوصيات هيئات المعاهدات أو نتائج الإجراءات الخاصة. ويعتمد الامتثال النهائي -في جانبٍ كبيرٍ منه- على قبول الدولة، وإرادتها السياسية؛ وفي الأنظمة الإقليمية التي قبلت الدول اختصاصها الإلزامي، على قُدرة هيئات الرقابة على متابعة التنفيذ.
لذلك، تعرّض مجلس حقوق الإنسان لانتقادات تتعلق بديناميات التصويت الكتلي، وانتخاب دول تُتَّهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان لعضويته، والتركيز غير المتناسب لبعض الولايات القطرية على دول معزولة جيوسياسيًا، وتَمَتُّع حكومات متحالفة مع قوى مؤثّرة بحماية نسبية من مستوى مماثل من التدقيق. وقد وثّقت التحليلات الأكاديمية هذه الديناميات، وأُقرّ بها داخل منظومة الأمم المتحدة. وكان إصلاح عام 2006، الذي أنشأ مجلس حقوق الإنسان بوصفه بديلًا عن لجنة حقوق الإنسان، يهدف جزئيًا إلى معالجة أوجه القصور ذاتها.
التحفظات والاستثناءات
تُرفِق الدول عادةً تحفّظات على معاهدات حقوق الإنسان عند التصديق عليها أو الانضمام إليها، على نحو يؤدي إلى استبعاد الأثر القانوني لأحكام مُحدَّدة أو تعديله في مواجهة الدولة المتحفّظة[33][“Vienna Convention on the Law of Treaties,” 1155 UNTS 331, 23 May 1969, Arts. 19-23;بشأن التحفّظات على معاهدات حقوق الإنسان، يُنظر:Human Rights Committee, “General Comment No. 24: Issues Relating to Reservations,” CCPR/C/21/Rev.1/Add.6 (1994); International Law Commission, “Guide to Practice on Reservations to Treaties,” A/66/10 (2011);وبشأن بنود التحلّل، يُنظر: محمد يوسف علوان، “بنود التحلل من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان”، مجلة الحقوق- جامعة الكويت، مج 9، العدد 1 (1985)، ص 119-169؛ ويُنظر:Alain Pellet & Daniel Müller, “Reservations to Human Rights Treaties,” in: Daniel Moeckli et al. (eds.), International Human Rights Law, 4th ed. (Oxford, UK: Oxford University Press, 2022).]. وتُجيز اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات (المادة 19) التحفظات التي لا تتعارض مع موضوع المعاهدة وغرضها. وقد طوّرت هيئات المعاهدات والمحاكم الدولية مناهجَ مختلفةً لتقييم هذا التوافق، إذ قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في قضية “لويزيدو ضد تركيا”، ببُطلان تحفّظ تركي كان يهدف إلى تقييد الاختصاص الإقليمي للمحكمة[34][European Court of Human Rights, “Loizidou v. Turkey,” paras. 89-98; Human Rights Committee, “General Comment No. 24: Issues Relating to Reservations,” para. 18.]. كذلك، أكّدت لجنة حقوق الإنسان، في التعليق العام رقم 24 (1994)، اختصاصها بتقييم صحة التحفّظات، ورأت أن التحفّظات على الحقوق غير القابلة للاستثناء أو على أحكام تعكس القانون الدولي العُرفي قد تتعارض مع موضوع العهد وغرضه.
وفي هذا السياق، أبدت عدة دول عربية تحفّظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولا سيما على المادة 2 (تدابير القضاء على التمييز)، والمادة 9 (2) (منح الجنسية للأطفال)، والمادة 16 (المُساواة في الزواج والأُسرة)، مستندةً في الغالب إلى أسباب تتعلّق بأحكام الشريعة الإسلامية أو القوانين الوطنية للأحوال الشخصية. وقد أثارت هذه التحفّظات انتقادات من لجنة سيداو التي رأت بعضها متعارضًا مع موضوع الاتفاقية وغرضها.
أما نظام الاستثناءات المنصوص عليه في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فيشترِط أن تكون حالة الطوارئ العامّة مهدّدةً “لحياة الأمّة”، وهو معيار جوهري لا يشمل الاضطرابات العامة العادية أو الأزمات المؤقتة. وقد أوضح التعليق العام رقم 29 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان (2001)، أن تدابير الاستثناء يجب أن تكون ضرورية بقدر ما تقتضيه متطلّبات الحالة، وألّا تكون تمييزية على أُسس محظورة، وأن تكون مُتّسقة مع التزامات الدولة الأخرى بموجب القانون الدولي. وقد أعلنت دولٌ حالات طوارئ غير مُحدَّدة المدة، أو طبّقت تدابيرَ استثنائيةً تجاوزت نطاق الضرورة الفعلية، أو لم تُخطر الأمين العام للأمم المتحدة في الوقت المناسب وفقًا لِما تنصّ عليه المادة 4 (3). وقد تناولت هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة هذه الممارسات في ملاحظاتها الختامية وتقاريرها بشأن ولايات قضائية مختلفة.
ثغرات الامتثال والقيود الهيكلية
تواجه واجبات حقوق الإنسان ثغرات في الامتثال، تُعزى إلى قصور في القدرات المؤسَّسية، ومحدودية الموارد، والثقافة القانونية، والصعوبة السياسية في ترجمة المعايير الدولية إلى قوانين وسياسات محلّية قابلة للتنفيذ. وقد تناولت دراسات تجريبية مسألة ما إذا كان التصديق على معاهدات حقوق الإنسان يُحدِث تغييرات ملموسة في سلوك الدولة؛ إذ خلصت أونا هاثاواي في دراستها “هل تُحدِث معاهدات حقوق الإنسان فرقًا؟”، المنشورة عام 2002[35][Oona A. Hathaway, “Do Human Rights Treaties Make a Difference?,” The Yale Law Journal, vol. 111, no. 8 (2002), pp. 1935-2042.]، إلى أن التصديق على المعاهدات لا يرتبط دائمًا بتحسّن فعلي في ممارسات حقوق الإنسان، بل قد يرتبط في بعض الحالات بنتائج أسوأ عندما يحلّ التصديق محلّ آليات المُساءلة المحلّية بدلًا من أن يكملها. أما بيث سيمونز[36][Beth A. Simmons, Mobilizing for Human Rights: International Law in Domestic Politics (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2009).]، في كتابها التعبئة من أجل حقوق الإنسان: القانون الدولي في السياسة الداخلية (2009)، فقد وجدت أن للمعاهدات آثارًا إيجابية ملموسة، ولا سيما في الدول شبه الديمقراطية، حيث تُتيح الظروف السياسية المحلّية للمجتمع المدني والجهات المعارضة استخدام الالتزامات التعاهُدية أداةَ ضغطٍ للمُساءلة.
يواجه نظام التقارير الدورية المعمول به في هيئات المعاهدات عدة مشكلات، منها تراكمُ التقارير، وغالبًا ما تكون الملاحظات الختامية مفصّلة لكنها لا تُترجَم بالضرورة إلى تغييرات تشريعية أو سياساتية ملموسة. كذلك فإن إجراءات البلاغات الفردية، التي تُنتِج أكثر القرارات تحديدًا من الناحيتَيْن الواقعية والقانونية، لا تُستغلّ على النحو الأمثل. وقد أدى انتشار هيئات المعاهدات إلى تشتّت الجهود وإرهاق الدول والمجتمع المدني بسبب تعدّد متطلّبات الإبلاغ، والازدواجية في العمل. دفعت هذه المشكلة إلى جولات متعدّدة من النقاش داخل الأمم المتحدة بشأن إصلاح نظام لجان المعاهدات[37][United Nations General Assembly, “Resolution 68/268: Strengthening and Enhancing the Effective Functioning of the Human Rights Treaty Body System,” A/RES/68/268, 9 April 2014; United Nations High Commissioner for Human Rights, “Strengthening the United Nations Human Rights Treaty Body System,” A/66/860 (2012); OHCHR, Navi Pillay, Strengthening the United Nations Human Rights Treaty Body System (Geneva: 2012); Suzanne Egan, The United Nations Human Rights Treaty System: Law and Procedure (West Sussex: Bloomsbury Professional, 2011), ch. 12.].
المناقشات المعاصرة والقضايا الناشئة
الأعمال التجارية وحقوق الإنسان
شهدت العلاقة بين سلوك الشركات وحقوق الإنسان اهتمامًا قانونيًا دوليًا من خلال عمل جون روجي (John Ruggie)[38][United Nations, “Guiding Principles on Business and Human Rights: Implementing the United Nations ‘Protect, Respect and Remedy’ Framework,” UN Doc. HR/PUB/11/04 (2011).]، الممثّل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان بين عامَي 2005 و2011. تُحدِّد المبادئُ التوجيهيةُ للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، التي أقرّها مجلس حقوق الإنسان بالإجماع في القرار 17/4، الصادر في 16 حزيران/ يونيو 2011، إطارًا ثُلاثيًا، هو: واجب الدولة في الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالأعمال التجارية من خلال التنظيم والإنفاذ الفعّالَيْن؛ ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان؛ وواجب ضمان وصول الضحايا إلى سُبل انتصاف فعّالة.
وتُعَدّ المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان صكًّا غير مُلزِم قانونًا، يحدّد مسؤوليات الدول والشركات في مجال حقوق الإنسان. تستند هذه المبادئ إلى إطار “الحماية والاحترام والانتصاف”، الذي وضعه الممثّل الخاص للأمم المتحدة جون روجي. وعلى الرغم من أنها ليست معاهدة مُلزِمة، فإن لها تأثيرًا تشريعيًا وقضائيًا محلّيًّا، بما في ذلك من خلال قانون واجب اليقظة الفرنسي، الصادر بالقانون رقم (2017-399) في 27 آذار/ مارس 2017، وقانون العناية الواجبة في سلاسل التوريد الألماني لعام 2021، الذي دخل حيّز النفاذ في 1 كانون الثاني/ يناير 2023، وتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العناية الواجبة في استدامة الشركات، المُعتمَد عام 2024.
يرتكز الركن الثاني من المبادئ التوجيهية على معيار العناية الواجبة بحقوق الإنسان بالنسبة إلى الشركات؛ فبموجب المبدأ 17 من المبادئ التوجيهية، يُتوقّع من الشركات أن تحدّد الآثار السلبية الفعلية والمحتملة على حقوق الإنسان في عملياتها وسلاسل توريدها وعلاقاتها التجارية، وأن تمنعها أو تخفّف منها، وأن تبيّن كيفية معالجتها. يوفّر هذا المعيار السلوكي، المتقاطع مع مفاهيم واجب الرعاية في القانون المحلّي ومع منطق المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة، إطارًا لتقييم سلوك الشركات حتى في غياب التزام دولي مباشر ومُلزِم لها بموجب معاهدة.
استمرّت المفاوضات بشأن معاهدة مُلزِمة في مجال الأعمال التجارية وحقوق الإنسان منذ عام 2014، عندما أنشأ مجلس حقوق الإنسان بموجب القرار 26/9 فريقًا عاملًا حكوميًا دوليًا مفتوح العضوية[39][Human Rights Council, “Resolution 26/9: Elaboration of an International Legally Binding Instrument on Transnational Corporations and Other Business Enterprises with Respect to Human Rights,” A/HRC/RES/26/9, 26 June 2014;وبشأن المسودّات المتعاقبة، يُنظر:“Updated Draft Legally Binding Instrument,” OHCHR, accessed on 24/9/2026, at: https://acr.ps/hBya1adhttps://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/wg-trans-corp; Surya Deva & David Bilchitz (eds.), Building a Treaty on Business and Human Rights: Context and Contours (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2017).]. وقد أُعدّت مسودّات نصوص متتالية، غير أن دول الجنوب العالمي، التي كانت من أبرز الداعمين لهذا المسار، والدول الرئيسة المصدّرة لرأس المال لم تتوافق في هذا الشأن.
التقنيات الرقمية والمراقبة
يُثير التوسّع في قدرات المراقبة الرقمية، بما في ذلك الاعتراض واسع النطاق للاتصالات، والتعرّف على الوجوه، وبرامج التجسّس التجارية التي تستهدف المجتمع المدني والصحفيين، والشرطة التنبؤية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون وإدارة الهجرة، مخاوفَ بشأن عدد من الحقوق المحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُعَدّ الحق في الخصوصية، المنصوص عليه في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الركيزة القانونية الأساسية في هذا المجال. وقد أوضح التعليق العام رقم 16، الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان عام 1988، أنّ أيّ تدخّل في الخصوصية يجب أن يكون منصوصًا عليه في القانون، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا مع هدف مشروع.
وقد تناول مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان مسألة المراقبة الجماعية من خلال سلسلة من القرارات والتقارير، عقب الكشف عن برامج اعتراض واسعة النطاق. كذلك وثّق المُقرَّر الخاص المعني بالحقّ في الخصوصية، المُنشَأ بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 28/16 لعام 2015، ممارسات مراقبة منهجية من جانب دول وشركات لا تتوافق مع متطلّبات الضرورة والتناسب. وحدّد تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي، الصادر في أيلول/ سبتمبر 2021، فئات متعدّدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تفاقم المخاطر على حقوق الإنسان، بما في ذلك المراقبة البيومترية، واتّخاذ القرارات الآلية في توزيع المنافع الاجتماعية، واستخدام التحليلات التنبؤية في العدالة الجنائية. ودعا التقرير إلى إجراء تقييمات كافية لأثر الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، وإلى وضع أُطر قانونية تنظّم استخدامه من جانب الجهات الحكومية وغير الحكومية.
تغيّر المناخ
انتقلت العلاقة بين تغيّر المناخ وحقوق الإنسان من إطار المناصرة إلى مبدأ قانوني راسخ. وكان مجلس حقوق الإنسان، في قراره 10/4 لعام 2009، في مقدّمة الهيئات الدولية[40][Human Rights Council, “Resolution 10/4: Human Rights and Climate Change,” A/HRC/RES/10/4, 25 March 2009; OHCHR, Report on the Relationship between Climate Change and Human Rights, A/HRC/10/61 (Geneva: 2009); John H. Knox, “Linking Human Rights and Climate Change at the United Nations,” Harvard Environmental Law Review, vol. 33 (2009), pp. 477-498.] التي أقرّت رسميًا بأن تغيّر المناخ يشكّل تهديدات مباشرة للتمتّع بحقوق الإنسان. وقد أكدت محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، في فتواها رقم OC-23/17 بشأن البيئة وحقوق الإنسان، الصادرة في 15 تشرين الثاني/ نوڨمبر 2017، أن الدول الأطراف في الاتفاقية الأميركية تتحمّل التزامات بمنع التدهور البيئي الذي يمسّ الحق في الحياة والصحة، وأن الضرر العابر للحدود الذي يسبّب هذا المساس قد يرتّب التزامات على الدول حتى خارج أراضيها.
كذلك، خلصت دائرة منازعات قاع البحار التابعة للمحكمة الدولية لقانون البحار، ثم المحكمة بهيئتها كاملة، في فتواها الصادرة في 21 أيار/ مايو 2024، بناءً على طلب لجنة الدول الجُزرية الصغيرة بشأن تغيّر المناخ والقانون الدولي، إلى أن الدول تتحمّل التزامات محدّدة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لمنع التلوّث البحري الناجم عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والحدّ منه والسيطرة عليه[41][International Tribunal for the Law of the Sea (ITLOS), “Request for an Advisory Opinion Submitted by the Commission of Small Island States on Climate Change and International Law,” Advisory Opinion of 21 May 2024, Case No. 31, ITLOS Reports 2024;وبشأن رأي دائرة منازعات قاع البحار، يُنظر:International Tribunal for the Law of the Sea (ITLOS), Seabed Disputes Chamber, “Advisory Opinion on Responsibilities and Obligations of States,” Case No. 17 (2011), paras. 110-120; Alan Boyle, “Climate Change, the Paris Agreement and Human Rights,” International and Comparative Law Quarterly, vol. 67, issue 4 (2018), pp. 759-777.].
وقد أصدرت محكمة العدل الدولية، في 23 تموز/ يوليو 2025، فتواها بشأن التزامات الدول فيما يتعلّق بتغيّر المناخ، بناءً على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 77/276، الصادر في 29 آذار/ مارس 2023[42][ICJ, “Obligations of States in Respect of Climate Change,” Advisory Opinion of 23 July 2025; United Nations General Assembly, “Resolution 77/276,” A/RES/77/276, 29 March 2023; Margaretha Wewerinke-Singh & Jorge E. Viñuales, “The Great Reset: The ICJ Reframes the Conduct Responsible for Climate Change Through the Prism of Internationally Wrongful Acts,” EJIL: Talk!, 4/8/2025, accessed on 24/9/2026, at: https://acr.ps/hBya1kS]. أكّدت الفتوى أن تغيّر المناخ يثير التزامات قانونية دولية بموجب منظومات متعددة، تشمل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، وبروتوكول كيوتو، واتفاق باريس، وقواعد القانون الدولي البيئي، وقانون حقوق الإنسان، وقانون البحار. أوضحت المحكمة أيضًا أن نظام المعاهدات المُناخية لا يستبعد -بوصفه قانونًا خاصًا- تطبيق قواعد دولية أخرى ذات صلة، وأن إخلال الدول بالتزاماتها المُناخية قد يرتّب آثارًا قانونية بموجب قواعد مسؤولية الدول.
الهجرة والأجانب
يُطبَّق القانون الدولي لحقوق الإنسان على أساس الولاية لا الجنسية، إذ تسري التزامات الدول على جميع الأشخاص الموجودين على أراضيها أو الخاضعين لسيطرتها الفعلية، بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في التعليق العام رقم 15 (1986)، أن القاعدة العامة هي وجوب ضمان الحقوق المنصوص عليها في العهد من دون تمييز بين المواطنين والأجانب.
ورغم ذلك، تشهد إدارة الهجرة توتّرًا بين التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك عدم الإعادة القسرية، وحظر الاحتجاز التعسّفي، وحماية وحدة الأسرة، وحق الأطفال في الحصول على الرعاية الصحية والتعليم بغض النظر عن وضعهم القانوني؛ وبين مصالح الدول المستقبلة في مراقبة الحدود وردع الهجرة غير النظامية، إذ يعد الإطار القانوني لحماية المهاجرين في أوضاع غير نظامية غيرَ كافٍ من الناحية الهيكلية، فالاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العُمّال المهاجرين وأفراد أُسرهم لعام 1990 لم تحظَ إلا بعدد محدود نسبيًا من التصديقات، ولم تصدّق عليها معظم دول المقصد الرئيسة في الشمال العالمي. أما الميثاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظّمة والنظامية لعام 2018، الذي أقرّته الجمعية العامة بموجب القرار 73/195، فهو غير مُلزِم صراحة[43][United Nations General Assembly, “International Convention on the Protection of the Rights of All Migrant Workers and Members of Their Families,” GA Res. 45/158, 2220 UNTS 3, 18 December 1990; United Nations General Assembly, “Global Compact for Safe, Orderly and Regular Migration,” GA Res. 73/195, A/RES/73/195, 19 December 2018; Ryszard I. Cholewinski, P. F. A. de Guchteneire & Antoine Pécoud (eds.), Migration and Human Rights: The United Nations Conventionon Migrant Workers’ Rights (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Elspeth Guild, Tugba Basaran & Kathryn Allinson, “From Zero to Hero? An Analysis of the Human Rights Protections within the Global Compact for Safe, Orderly and Regular Migration,” International Migration, vol. 57, issue 6 (2019), pp. 43-59.].
مكافحة الإرهاب
رافقت توسيعَ أُطر مكافحة ما عُرِف بـ”الإرهاب”، في أعقاب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأميركية، وما تلاها من إعلان “الحرب على الإرهاب”، ممارساتٌ في عدد من الأنظمة القضائية، وُثِّقت مخالفتها لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، منها: استخدام التعذيب والمعاملة القاسية في أثناء الاستجواب؛ والاختفاء القسري في مراكز احتجاز سرّية؛ والقتل المستهدف للمقاتلين أو المُشتبَه بانتمائهم إلى جماعات إرهابية خارج سياقات النزاع المُسلَّح؛ والمراقبة الجماعية للاتصالات؛ والاحتجاز التعسّفي المطوّل من دون توجيه تهمة أو محاكمة.
تُعَدّ ثلاثة أُطر قانونية ذاتَ صلة بتقييم مدى جواز هذه الممارسات، وتختلف التحديات التي تطرحها تبعًا لطبيعة كل ممارسة؛ فحظر التعذيب، المُشار إليه آنفًا بوصفه من النواة الصلبة لحقوق الإنسان غير القابلة للاستثناء، حظرٌ مُطلَقٌ لا يقبل أي تبرير أمني، ولا يمكن لأي ضرورة أمنية مهما بلغت خطورتها أن تبرّر انتهاكه. وقد أكدت لجنة مناهضة التعذيب باستمرار أن هذا الحظر لا يقبل أي استثناءات. وطبّقت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بموجب المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المعيار المطلق ذاته. وقد قضت المحكمة في قضية إيرلندا ضد المملكة المتحدة[44][European Court of Human Rights, “Ireland v. the United Kingdom,” App. No. 5310/71, Judgment of 18 January 1978.]، في الحكم الصادر في 18 كانون الثاني/ يناير 1978، أن معاملة المعتقلين، التي صنّفتها المحكمة آنذاك بوصفها معاملة لا إنسانية ومُهينة لا بوصفها تعذيبًا، تنتهك الحظر المُطلَق بموجب المادة 3. وقد أُعيد تناول التمييز بين التعذيب وغيره من أشكال المعاملة المحظورة في اجتهادات لاحقة، بما في ذلك قضية سلموني ضد فرنسا[45][European Court of Human Rights, Grand Chamber, “Selmouni v. France,” App. No. 25803/94, Judgment of 28 July 1999.]، إذ رأت المحكمة أن ممارساتٍ كان يمكن تصنيفها سابقًا بوصفها معاملة لا إنسانية قد ترقى إلى التعذيب في ضوء المعايير المتطوّرة، وأن حماية الاتفاقية يجب تفسيرها وتطبيقها بصرامة مُتزايدة.
أما القتل المستهدف خارج نطاق النزاعات المُسلَّحة، فيخضع أساسًا للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن الحق في الحياة، كما فسّرتها لجنة حقوق الإنسان في التعليق العام رقم 36 (2018) بوصفها تحظر الحرمان التعسّفي من الحياة، بما في ذلك الأفعال خارج الحدود الإقليمية، وتستلزم ضمانات إجرائية فعّالة. وفيما يتعلّق بالمراقبة الجماعية، فهي تشمل المعايير المطبّقة في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن الحق في الخصوصية، ومتطلّبات المشروعية والضرورة والتناسب التي تناولها التعليق العام رقم 16 (1988). وقد قدّم المقرّر الخاص للأمم المتحدة، المعني بتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها في سياق مكافحة الإرهاب -الذي أنشأته لجنة حقوق الإنسان عام 2005، واستمرّ مجلس حقوق الإنسان في تجديد ولايته- تحليلًا للحدود المسموح بها في كلٍّ من هذه المجالات.
العدالة بين الجنسَيْن والفئات المهمّشة
تناول القانون الدولي لحقوق الإنسان تدريجيًا حقوق النساء، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشعوب الأصلية، والأشخاص ذوي التوجّهات الجنسية والهُويات الجنسانية المتنوّعة (مجتمع الميم، LGBTQ+)، والأقلّيات العرقية والإثنية، وغيرها من الفئات المهمّشة تاريخيًا؛ وذلك من خلال معاهدات مخصّصة، وتعليقات وتوصيات عامّة، وولايات إجراءات خاصة، واجتهادات قضائية.
وقد ترافق الاعتراف بحقوق المرأة -بوصفها من حقوق الإنسان- مع الإقرار بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي يشكّل شكلًا من أشكال التمييز المحظور بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما أُكّد رسميًا في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في ڤيينا عام 1993، وتطوّر من خلال التوصيات العامة للجنة القضاء على التمييز ضد المرأة. وقد حدّثت التوصية العامة رقم 35، الصادرة عن لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة عام 2017، التوصيةَ العامة رقم 19 لعام 1992، ووصفت العُنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة بأنه سببٌ ونتيجةٌ لعدم المُساواة بين الجنسَيْن، وانتهاك لحقوق متعدّدة تكفلها الاتفاقية.
كذلك أُدرج مفهوم “التقاطعية”، الذي يُشير إلى الحرمان المتراكم الذي يواجهه الأفراد المعرّضون للتمييز على أُسس متعددة ومتزامنة، مثل الجنس مقترنًا بالعرق أو الإعاقة أو وضع الهجرة، في تحليل هيئات المعاهدات، ولا سيما لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ويُستخدم هذا المفهوم بوصفه إطارًا لفهم كيفية تفاعل أشكال التمييز المتداخلة لإحداث أضرار متميزة لا يمكن رصدها من خلال تحليل كل أساس من أُسس التمييز بمعزل عن غيره. ومع ذلك، لا يزال دمج هذا المفهوم في تفسير المعاهدات متفاوتًا بين هيئات المعاهدات.
وتناولت منظومة حقوق الإنسان حقوق الشعوب الأصلية، بما في ذلك الحق في الموافقة الحُرّة والمُسبقة والمُستنيرة على القرارات التي تؤثر في أراضيها ومواردها، والحق في الحفاظ على الهُوية الثقافية، والحق في الأراضي والأقاليم التقليدية. وقد وردت هذه الحقوق في إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، المُعتمَد بموجب قرار الجمعية العامة 61/295 في 13 أيلول/ سبتمبر 2007، وهو صكٌّ غير مُلزِم، لكنه مؤثّر من الناحية المعيارية. وقد استُخدم هذا الإعلان في التقاضي المحلّي، وأُدرجت معاييره في الملاحظات الختامية لهيئات المعاهدات، واستُحضر أيضًا في فقه محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، بما في ذلك قضية شعب ساراماكا ضد سورينام.






