الأدلة المادية تحت الأنقاض
في الجانب المتصل بحماية الأدلة، حذر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لـ”الثورة السورية”، من أن إزالة الأنقاض دون توثيق مسبق قد تتسبب بإتلاف أدلة مادية لا يمكن استعادتها، وقد تكون ضرورية لكشف حقيقة الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها.
وأوضح أن كميات كبيرة من الأنقاض في سوريا لم تنتج عن أضرار الحرب بصورة عامة فقط، وإنما عن هجمات واسعة النطاق كان النظام المخلوع المسؤول الرئيس عن جانب كبير منها، ما يجعل بعض المواقع المتضررة حاملة لأدلة يمكن أن تساعد في إعادة بناء ظروف الهجمات وتحديد طبيعة الأهداف والأسلحة المستخدمة وربط الوقائع بأنماط أوسع من الانتهاكات.
ومن خلال خبرة الشبكة في توثيق الانتهاكات منذ عام 2011، أشار عبد الغني إلى احتمال احتواء بعض المواقع على رفات بشرية أو أدلة مرتبطة بالاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، محذراً من أن الإزالة غير المنظمة قد تضر بالتحقيقات الجنائية وتمس حقوق الضحايا وعائلات المفقودين في معرفة الحقيقة والحصول على العدالة.
ولا تدعو الشبكة، وفق عبد الغني، إلى تعطيل إزالة الأنقاض، وإنما إلى تنفيذها بطريقة تراعي الحماية والحفاظ على الأدلة في الوقت نفسه.
وتشمل الأدلة التي يمكن أن تبقى داخل الأنقاض شظايا الذخائر وبقايا الأسلحة ونقاط الارتطام وحفر الانفجارات واتجاهات الأضرار وأنماط انهيار المباني، وعند تحليل هذه الآثار علمياً وربطها بالشهادات والصور والمعلومات الأخرى، يمكن أن تساعد في تحديد خصائص الهجوم ونوع السلاح المحتمل استخدامه وطبيعة الموقع المستهدف.
وقد تحتوي مراكز الاحتجاز والفروع الأمنية السابقة أيضاً على وثائق وسجلات وأجهزة إلكترونية وآثار مادية مرتبطة بالاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، إلى جانب احتمال وجود رفات بشرية تساعد في كشف مصير أشخاص اختفوا منذ سنوات.
وفي هذا السياق، شدد عبد الغني على ضرورة التمييز بين إثبات وقوع الهجوم وإثبات المسؤولية الجنائية الفردية، إذ يمكن للعثور على شظايا أو تحديد اتجاه القصف أن يساعد في إعادة بناء الواقعة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات مسؤولية شخص معين، التي تتطلب أدلة إضافية تتصل بمرتكبي الأفعال وسلسلة القيادة والقصد أو العلم وغيرها من عناصر المسؤولية الجنائية.
وترتبط القيمة الإثباتية للمواد، بحسب عبد الغني، بطبيعتها ومكان العثور عليها وعلاقتها بالأدلة الأخرى والظروف المحيطة بها، ما يجعل نقل الشظايا أو أجزاء المباني أو الرفات البشرية دون تسجيل مواقعها الأصلية سبباً محتملاً لفقدان معلومات تساعد المحققين على إعادة بناء ما حدث.
كما قد يؤدي استخدام الآليات الثقيلة إلى تدمير بعض الأدلة أو خلطها أو تغيير مواقعها، فيما يثير غياب السجلات التي توثق كيفية العثور عليها ونقلها وحفظها تساؤلات بشأن سلامتها وموثوقيتها أمام القضاء.
ولا يعني فقدان دليل مادي استحالة المحاسبة، إذ يمكن الاعتماد على الشهادات والوثائق والصور وغيرها من الأدلة، لكنه قد يضعف القدرة على التحقق المستقل من الوقائع وإثبات عناصر بعض الجرائم، ما يعزز أهمية التوثيق المسبق والحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة، ولا سيما في المواقع المشتبه في ارتباطها بجرائم دولية خطيرة.
وتزداد حساسية الأمر عند وجود رفات بشرية، فإزالتها بواسطة أشخاص غير متخصصين أو نقلها مع الأنقاض دون توثيق قد يؤدي، وفق عبد الغني، إلى تلفها أو اختلاطها برفات أخرى وضياع المعلومات المرتبطة بمكان العثور عليها والظروف المحيطة بها، مشيراً إلى أن ذلك حصل في شمال شرق سوريا عندما كانت تحت سيطرة “قسد”.
وقد تكون هذه المعلومات ضرورية لتحديد الهوية وإعادة بناء ظروف الوفاة وربط الرفات ببلاغات المفقودين، وربما إثبات وقوع جرائم جنائية، فيما يمكن أن يؤدي فقدانها إلى تعقيد التعرف على الضحايا أو جعله مستحيلاً في بعض الحالات.
ودعا عبد الغني إلى إخضاع المواقع التي تحتوي على رفات بشرية، أو يشتبه في احتوائها عليها، لإشراف مختصين بالطب الشرعي وفق إجراءات تضمن التوثيق العلمي والتعامل الكريم مع الموتى، بالتنسيق مع الجهات الوطنية المعنية بالمفقودين والمؤسسات الدولية المتخصصة، وضمان مشاركة العائلات وحماية حقها في معرفة مصير ذويها.
ضوابط وطنية لحماية الأدلة
يتطلب الحفاظ على الأدلة اعتماد إجراءات تشغيل وطنية موحدة تبدأ بتقييم طبيعة الموقع والمخاطر المرتبطة به قبل الشروع في عمليات الإزالة غير الطارئة، بحسب عبد الغني.
وتشمل الإجراءات المقترحة تحديد الموقع وإحداثياته، وتسجيل تاريخ التدخل والجهة المنفذة، وتقييم مخاطر الذخائر المتفجرة بواسطة أفراد مؤهلين، إلى جانب التقاط صور ومقاطع فيديو توثق حالة الموقع قبل تغييرها.
وعند العثور على أدلة محتملة، ينبغي تسجيل أماكن وجودها والمحافظة على سلامتها وتوثيق الأشخاص الذين تعاملوا معها وكيفية نقلها وحفظها وفق متطلبات سلسلة الحيازة، مع إخضاع الأجهزة والسجلات الإلكترونية لإجراءات الطب الشرعي الرقمي وحماية معلومات الشهود والضحايا.
كما شدد عبد الغني على تسجيل مصدر الأنقاض المنقولة ووجهتها لضمان إمكانية تتبعها لاحقاً، موضحاً أن هذه الإجراءات لا تعني إخضاع كل موقع لتحقيق جنائي شامل أو توثيق كل قطعة من الركام، وإنما اعتماد إجراءات تتناسب مع طبيعة الموقع ومستوى المخاطر، وعندما تكون حياة الأشخاص مهددة، تبقى عمليات الإنقاذ والسلامة العاجلة في مقدمة الأولويات، مع إجراء التوثيق بالقدر الممكن والآمن.
ولا تتساوى المواقع من حيث الحاجة إلى الفحص، إذ تكون الأولوية في الاستجابة العاجلة للمواقع التي تشكل خطراً مباشراً على حياة السكان وسلامتهم، بما فيها المناطق الملوثة بالذخائر المتفجرة.
أما من ناحية الحفاظ على الأدلة، فتشمل المواقع الأكثر حساسية المقابر الجماعية والأماكن المشتبه في احتوائها على رفات بشرية، ومراكز الاحتجاز والفروع الأمنية السابقة، والمواقع التي تتوافر معلومات موثوقة عن وقوع جرائم خطيرة فيها.
وتشمل الأولويات أيضاً مواقع الهجمات التي قد تحتفظ بآثار مادية مهمة، خاصة عندما تكون الأدلة مهددة بالزوال نتيجة أعمال الهدم أو إعادة الإعمار، ودعا عبد الغني إلى وضع المواقع شديدة الحساسية تحت إشراف الجهات القضائية والفنية المختصة، وعدم السماح لشركات إزالة الأنقاض أو الأفراد غير المدربين بالتنقيب الجنائي أو استخراج الرفات أو التعامل مع الذخائر المتفجرة بصورة مستقلة.
وفي ختام حديثه، دعا إلى اعتماد سياسة وطنية شاملة لإدارة إزالة الأنقاض تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: تقييم المخاطر، والتوثيق المتناسب، وحماية الأدلة.
ويتطلب تطبيق هذه السياسة تنسيقاً مؤسسياً بين وزارات الأشغال العامة والعدل والداخلية والصحة، والبلديات والنيابات العامة والجهات الفنية المختصة، مع تحديد مسؤوليات كل جهة ووضع إجراءات واضحة للتعامل مع المواقع المشتبه في احتوائها على أدلة جنائية أو رفات بشرية، وفق عبد الغني.
كما دعا إلى تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في الطب الشرعي وإدارة الأدلة، وتطوير آليات الإبلاغ والإحالة إلى السلطات القضائية، والتنسيق مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، كل ضمن نطاق ولايتها.
وأكد أهمية مراعاة المانحين والمنظمات الدولية هذه الضمانات في مشاريع إعادة الإعمار غير الطارئة، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل عمليات الإنقاذ أو المساعدات الإنسانية الأساسية.






