مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني تحدث من جانبه عن المسار القضائي الناشئ داخل سياق انتقالي معقّد، والبنية القانونية التي تجري ضمنها هذه المحاكمة، معتبرا في الوقت نفسه أن محاكمة نجيب تمثل سابقة قضائية محلية ذات بعد رمزي مهم لضحايا الانتهاكات، وتعكس بداية مسار نحو المساءلة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حدود بنيوية وتشريعية واضحة لا يمكن تجاوزها في ظل الإطار القانوني القائم.
ومن هذا المنطلق، رأى عبد الغني في حديث مع «القدس العربي» أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجانب التشريعي، إذ إن قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفا لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة ومحددة الأركان. وبناء عليه، فإن السلوك المنسوب إلى نجيب، بما يشمل القتل المنهجي والتعذيب والاحتجاز التعسفي واضطهاد المدنيين، يستوفي من حيث العناصر المادية التعريف القانوني للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي.
غير أن هذه التهم، في السياق القضائي المحلي، ستصنّف في الغالب ضمن نطاق الجرائم الجنائية العامة، مثل القتل والتعذيب وإساءة استخدام السلطة، وذلك نتيجة غياب نصوص قانونية وطنية تدرج الجرائم الدولية وتحدد أركانها وعناصرها بشكل صريح.
وأكد عبد الغني أن هذا الواقع لا يعكس تقديرا قضائيا أو اجتهادا من المحكمة، بل هو نتيجة مباشرة لفراغ تشريعي قائم، يفضي عمليا إلى أن أي حكم قضائي يصدر لن يكون قادرا على التعبير عن الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق لتلك الانتهاكات أو توصيفها بوصفها سياسة ممنهجة.
ومع ذلك، فإن هذا الفراغ التشريعي من وجهة نظر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يعني غياب الأساس القانوني للمساءلة، إذ تنص المادة 15 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه سوريا، على إمكانية محاكمة الأفعال التي كانت تُعد مجرّمة بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها، حتى في حال عدم وجود نص وطني يقابلها. وبالنظر إلى أن الجرائم ضد الإنسانية قد ترسخت في القانون الدولي العرفي منذ ما قبل محاكمات نورنبرغ، فإن تطبيق هذا التصنيف على أفعال تعود إلى عام 2011 لا يعدّ تجريما بأثر رجعي.
غير أن المادة ذاتها، بحسب عبد الغني، تعالج مبدأ الشرعية من حيث الإطار العام من دون أن تقدم آلية تنفيذية واضحة، وهو ما يعني أن المحكمة السورية لا تمتلك ضمن منظومتها التشريعية الوطنية نصوصاً تُحدد بدقة عناصر الجرائم ضد الإنسانية أو أنماط المسؤولية الجنائية المرتبطة بها. وبالتالي، فإن الأساس القانوني للمساءلة قائم من حيث المبدأ، لكنه يظل غير مكتمل من حيث الأدوات التطبيقية اللازمة داخل القضاء المحلي.
وفي سياق متصل، يكتسب حضور أقارب الضحايا، الذين قدموا من محافظة درعا بصفتهم أصحاب ادعاء شخصي وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، أهمية إجرائية لافتة. فالقانون السوري يتيح للمدعين الشخصيين تقديم دعاوى موازية إلى جانب الحق العام، كما أن تقديم الادعاء الشخصي يُلزم النيابة العامة بمتابعة القضية قانونياً. وهذا يمنح الضحايا دوراً إجرائياً مباشراً داخل مسار التقاضي، وهو ما يتقاطع مع أحد المبادئ المعتمدة في أنظمة العدالة الجنائية الدولية، والمتعلق بمشاركة الضحايا في الإجراءات القضائية.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة ضمانات المحاكمة العادلة بوصفها أحد الاختبارات الجوهرية لمصداقية هذه الإجراءات، لا سيما في سياق انتقالي لم تكتمل فيه بعد البنية المؤسسية الضرورية، سواء من حيث استقلال النيابة العامة، أو كفاءة منظومة الدفاع، أو مستوى الشفافية في الإجراءات القضائية، وهو ما يجعل تقييم عدالة هذه المحاكمات مرتبطا بمدى تطور هذه الضمانات وليس فقط بطبيعة الاتهامات.
وأضاف عبد الغني، أن مسألة عقوبة الإعدام تطرح أيضا إشكالا إضافيا في التوافق بين المنظومة القانونية المحلية والالتزامات الدولية لسوريا. فالقانون السوري ما يزال يجيز عقوبة الإعدام في نطاق واسع من الجرائم يتجاوز القتل العمد، وهو ما يتعارض مع تفسير المادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقصر تطبيق هذه العقوبة على «أشد الجرائم خطورة»، والتي فسرتها لجنة حقوق الإنسان على أنها تقتصر عمليا على حالات القتل العمد.
وتبرز إشكالية عملية أخرى تتمثل في أن التهديد بعقوبة الإعدام قد يقلل من حوافز المتهمين للتعاون في الكشف عن هياكل القيادة أو مواقع المقابر الجماعية أو مصير المختفين قسريا، في حين أن العقوبات السالبة للحرية الطويلة قد توفر مساحة أكبر للتعاون مع التحقيقات. كما يُنظر إلى تنفيذ الإعدام العلني، ضمن معايير القانون الدولي العرفي، باعتباره ممارسة تتعارض مع الحظر المفروض على المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وانتهى المتحدث بالتأكيد على أن محاكمة عاطف نجيب تمثل سابقة قضائية لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حدود بنيوية وتشريعية واضحة، فغياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، وعدم إنشاء محاكم متخصصة، وعدم إدماج الجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريع الوطني، جميعها عوامل تجعل من هذه المحاكمات خطوة أولى غير مكتملة في مسار العدالة. ومن ثم، فإن تطوير البنية المؤسسية والتشريعية، بما في ذلك إدماج معايير القانون الجنائي الدولي وتعزيز استقلال القضاء وربط المسار المحلي بالآليات الدولية، يبقى شرطاً أساسياً لضمان انتقال هذه الخطوة من رمزية البداية إلى مسار عدالة متكامل.






