يعد ملف أطفال ذوي المعتقلين والمغيبين قسراً من الملفات ذات الحساسية العالية، الأمر الذي يتطلب خطوط عمل واضحة للكشف عن مصيرهم، حيث أشار مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى سلسلة من التوصيات التي تتعلق بعمليات بحث دقيقة وذات فاعلية عالية، مبيناً أن أولى هذه الخطوات تعتمد على بناء قاعدة بيانات مركزية وموحدة. وتتمثل المشكلة في التشتت المعلوماتي، إذ تتوزع البيانات بين الهيئة الوطنية للمفقودين، ووزارة الشؤون الاجتماعية، والمنظمات المدنية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان وغيرها، من دون آلية تنسيقية تضمن توظيف هذه البيانات فعلياً في عمليات البحث. لذلك، لا بد من إنشاء قاعدة بيانات مركزية مشفرة وآمنة تستوعب المعلومات المتاحة، بما في ذلك سجلات الأفراد مجهولي الهوية.
أما الخطوة الثانية التي أشار إليها عبد الغني، فهي توسيع نطاق البحث ليشمل مؤسسات خارج الوزارة. إذ اعترفت منظمة قرى الأطفال (SOS) بأنها استقبلت 139 طفلاً من دون وثائق رسمية بين عامي 2014 و2019. وهذا يعني أن الملف يتجاوز دور الرعاية الحكومية ليطاول مؤسسات شبه حكومية وأخرى ذات طابع دولي. وعليه، لا بد من إصدار تفويض بحثي رسمي يمتد ليشمل جميع هذه الجهات. لافتاً إلى أهمية الخطوة الثالثة التي تكمن في التعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يونيو 2023، وهي تمتلك خبرة تقنية وقانونية لا يمكن الاستغناء عنها في تعقب الحالات عبر الحدود والتعامل مع قواعد البيانات الدولية. لذلك، لا يعد التنسيق معها خياراً، بل ضرورة منهجية.
وفي ما يخص الأهمية القانونية والإنسانية لملف الأطفال في دور الأيتام، قال عبد الغني إنه يتجاوز كونه قضية إنسانية، ليكشف عن بنية جريمة ممنهجة ومؤسسية. وقال: “الأدلة المتوفرة تشير إلى أن إيداع الأطفال في دور الرعاية لم يكن إجراء حمائياً انتهجته الدولة الأسدية في زمن الحرب، بل آلية ممنهجة شاركت فيها أجهزة الأمن، ووزارة الشؤون الاجتماعية، وجهات مقربة من رأس النظام، مثل الأمانة السورية للتنمية التي كانت تديرها أسماء الأسد”. وتكشف الأدلة التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وفق عبد الغني، وغيرها عن نقل أطفال من دون وثائق عبر مطار دمشق الدولي، في رحلات غير مصرح بها بين عامي 2016 و2018، يرجح أنها كانت لأغراض التبني غير القانوني أو الاستغلال خارج البلاد. وعند قراءة هذا النمط في سياق تغيير الأنساب والهويات وإتلاف الوثائق، فإنه يستوفي عناصر جريمة الاتجار بالأطفال بموجب بروتوكول باليرمو، بل عناصر الجرائم ضد الإنسانية من حيث الإخفاء القسري المنهجي وفق نظام روما الأساسي.






