قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، اليوم الأحد، إن عودة نواف البشير إلى دير الزور بعد خروجه بموجب تسوية مع الحكومة السورية خلال المرحلة الانتقالية، تعكس أزمة بنيوية في مسار المساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا.
وأوضح عبد الغني أن نواف البشير “ليس شيخ قبيلة عادياً”، بل شخصية تنقلت بين مواقف متعددة خلال سنوات الثورة، مؤكداً ارتباط أبنائه بميليشيا “لواء الباقر” التابعة للحرس الثوري الإيراني، حيث قُتل اثنان منهم أثناء مشاركتهما في نشاطات الميليشيا في عهد النظام.
وأضاف أن البشير ارتبط أيضاً بـ”فوج العشائر الهاشمية”، الذي ضم نحو ألف مقاتل معظمهم من عناصره، وكان يعمل بإمرة الحرس الثوري الإيراني بهدف مواجهة “قوات سوريا الديمقراطية” وتعزيز النفوذ الإيراني شرق الفرات.
مسؤولية قانونية وفق القانون الدولي
وبيّن مدير الشبكة السورية أن قادة الجماعات المسلحة المرتبطة بأطراف النزاع يخضعون لمبدأ “مسؤولية القيادة” المنصوص عليه في المادة 28 من نظام روما الأساسي، والتي تفرض المسؤولية الجنائية على القادة الذين يعلمون، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، بارتكاب مرؤوسيهم جرائم، ثم يفشلون في منعها أو معاقبة مرتكبيها.
وأكد أن أي تسوية تُخرج شخصيات من هذا النوع من دون مراجعة قضائية مسبقة تمثل تعارضاً صريحاً مع هذا المبدأ، وتؤدي إلى تقويض الثقة بأي مسار مستقبلي للمساءلة.
وحذّر عبد الغني من تكرار هذا النمط، الذي يُعرف في أدبيات العدالة الانتقالية بـ”الإفلات من العقاب المتفاوض عليه”، معتبراً أنه “أشد تدميراً لحقوق الضحايا من الإفلات من العقاب الناتج عن ضعف المؤسسات”.
آثار نفسية واجتماعية لغياب المحاسبة
وأشار عبد الغني إلى أن غياب المحاسبة لا يقتصر على انتهاك الحقوق القانونية للضحايا المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 60/147 الخاص بمبادئ الانتصاف وجبر الضرر، بل يخلّف أيضاً آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.
وأوضح أن هذا الواقع يولد ما يُعرف في أدبيات العدالة الانتقالية بـ”الصدمة الثانوية المؤسسية”، أي شعور الضحايا بأن الدولة نفسها باتت تكرّس الظلم بدلاً من معالجته.
ولفت إلى أن عودة البشير إلى دير الزور بموكب مسلح، في محافظة عانى سكانها من انتهاكات الميليشيات الإيرانية، أثارت موجة غضب واسعة، معتبراً أن هذا الغضب يمثل “إشارة سياسية خطيرة” إلى أن أي عقد اجتماعي جديد لن يكون قابلاً للحياة في غياب العدالة.
تجارب دولية تحذر من تجاهل العدالة
وأشار عبد الغني إلى أن التجارب المقارنة، من جنوب أفريقيا إلى رواندا والبوسنة، أظهرت أن المجتمعات التي تشهد عودة شخصيات متورطة بانتهاكات من دون محاسبة، تبقى عالقة في دوامات العنف الانتقامي وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
وأضاف أن خطورة هذا المسار في سوريا تتضاعف بسبب الطابع الطائفي والعشائري للنزاع، معتبراً أن إعادة تعويم شخصيات مرتبطة بمشاريع إيرانية ذات أبعاد طائفية “تنفخ في جمر التوترات العشائرية”، وتعيد إلى أذهان أهالي دير الزور سنوات القهر التي ارتبطت بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
“لا عدالة انتقالية بلا مساءلة”
وشدد عبد الغني على أن موقف الشبكة واضح في هذا الملف، مؤكداً أنه “لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية حقيقية من دون مساءلة فردية، ولا عن مصالحة وطنية مستدامة تقوم على تجاوز جرائم الماضي عبر تسويات سياسية تتعارض مع المعايير الدولية”.
وختم بالقول إن غياب المحاسبة “لا يغلق ملفات الماضي، بل يبقيها مفتوحة كجروح نازفة قابلة للانفجار مجددًا في أي لحظة”.






