مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، اعتبر أن وفاة محمد غميرة أثناء الاحتجاز تطرح جملة من الأسئلة القانونية والطبية المتعلقة بواجب الدولة في حماية حياة المحتجزين وسلامتهم، مشددا على ضرورة عدم اختزال القضية في النتيجة الطبية المعلنة، بل بحث كامل ظروف الاحتجاز والاستجواب والرعاية الطبية التي تلقاها.
وفيما يتعلق بالنتائج التي أعلنتها اللجنة، قال عبد الغني لـ «القدس العربي» إن النتيجة الطبية لا يمكن التعامل معها بوصفها حكما قانونيا نهائيا ينفي أي مسؤولية.
وأوضح أن اللجنة أعلنت أن الوفاة وقعت نتيجة مضاعفات نزف دماغي لدى مريض ناعور، وذكرت عدم وجود كسور في الجمجمة، أو جروح رضّية أو علامات ظاهرة للعنف أو الشدة، وفق ما نقلته عن الخبرة الطبية. وينبغي التعامل مع هذه الخلاصة بوصفها نتيجة طبية رسمية أولية ذات صلة، لا بوصفها حكماً قانونياً نهائياً ينفي أي مسؤولية.
وأضاف أن القانون لا يسأل فقط عن الحالة الطبية التي جعلت الوفاة ممكنة، بل عن التسلسل السببي الكامل: هل استخدمت قوة غير مشروعة؟ هل كان المرض معروفا؟ هل كان خطر النزف أو التدهور متوقعا؟ هل رُصدت الأعراض فورا؟ هل قدمت الرعاية المناسبة في الوقت المناسب؟ وهل أسهم أي تأخير أو إهمال أو سوء معاملة في النتيجة؟
وتابع أن استخدام الناعور لتفسير الوفاة على نحو يقطع البحث في المسؤولية أمر غير جائز، موضحا أن وجود مرض سابق لا ينفي احتمال أن يكون الاعتداء أو الإهمال أو التأخر في العلاج عاملا مساعدا في وقوع الوفاة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز قلب عبء الإثبات والادعاء بأن كل وفاة لمحتجز مصاب بالناعور هي، بالضرورة نتيجة اعتداء. والفيصل هو تحقيق يستند إلى الأدلة الطبية والوثائقية والشهادات.
الصفعة والعلم بالحالة الصحية
وانتقل عبد الغني إلى واقعة الصفعة، فقال إنه ثبت، وفق ما أعلنته اللجنة، أن أحد المحققين صفع غميرة على منطقة الرقبة، وأن اللجنة أحالت ذلك المحقق إلى النيابة العامة. واعتبر أن هذه الواقعة لا يصح التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة سلوكية عابرة، إذ إن استخدام القوة ضد موقوف أثناء التحقيق لا يندرج ضمن وظيفة الاستجواب المشروعة، ويستوجب فحصا قضائيا لتحديد طبيعته وهدفه وآثاره.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإحالة إلى النيابة العامة لا تعني أن الجريمة أو علاقة السببية بالوفاة قد ثبتتا. فالبيان الصحافي لا يحدد الوصف القانوني الذي ستتبناه النيابة، ولا ينشر مضمون الأدلة التي استندت إليها الإحالة، ولا يبين ما إذا كانت الإحالة تتصل بالصفعة وحدها أم بسلسلة أوسع من الأفعال والامتناعات.
وأضاف لـ «القدس العربي»: هذه الواقعة تكتسب وزنا أكبر بسبب إعلان اللجنة أن غميرة أبلغ عناصر الأمن الداخلي بإصابته بالناعور. وهذا العلم لا يجعل أي استخدام للقوة سببا للوفاة تلقائيا، لكنه يغيّر معيار التقييم، إذ كان يفترض أن توثّق المعلومة، وأن تنقل إلى المعنيين، وأن تؤخذ في الحسبان خلال الاستجواب والاحتجاز والرصد الطبي.
المسؤوليات المحتملة
وفيما يتعلق بالمسؤوليات التي قد تترتب على نتائج التحقيق، قال عبد الغني: إن مسؤولية جنائية فردية يمكن أن تنشأ إذا أثبت التحقيق أن محققا أو موظفا آخر ارتكب فعلا غير مشروع أسهم، وفق معيار السببية المعتمد في القانون الوطني، في الوفاة أو في خلق خطر جسيم أفضى إليها. وقد تنشأ مسؤولية مستقلة عن سوء المعاملة أو الاستخدام غير المشروع للقوة، حتى إذا تعذر إثبات أن ذلك الفعل كان السبب القانوني للوفاة.
وأضاف أن التحقيق لا ينبغي أن يقتصر على الفاعل المباشر للصفعة، بل يجب أن يشمل من كان له دور فعلي في الاحتجاز، أو الاستجواب أو الإشراف أو اتخاذ قرار الرعاية، متى وجدت أدلة على علمه بالخطر أو على واجبه في منعه. وقد يمتد ذلك إلى من تلقى الإبلاغ عن مرض الناعور ولم يوثقه أو لم ينقله، ومن أمر بالاستجواب أو سمح باستمرار الاحتجاز رغم تدهور الحالة، ومن استخدم القوة أو كان حاضراً ولم يتدخل لمنعها، ومن أخفق في طلب الإسعاف أو النقل الطبي في الوقت المناسب، ومن أخفى سجلات أو عبث بأدلة أو مارس ضغطا على شهود.
المسؤولية الإشرافية والمسلكية
وفي هذا السياق، أشار عبد الغني إلى أن اللجنة أعلنت توسيع التحقيق المسلكي في دور رئيس قسم شرطة الحفة، النقيب أحمد شاكر المصري، وفي دور المحقق عمر يوسف. وأوضح أن هذه الخطوة لا تدل على براءتهما أو على ثبوت مسؤوليتهما، بل تعني أن دورهما ما زال محل فحص.
وأضاف أن المسار المسلكي قد يكون مناسبا لمحاسبة الإخلالات المهنية والتنظيمية، مثل قصور التوثيق أو سوء الإشراف أو مخالفة إجراءات الاحتجاز، لكنه لا ينبغي أن يغلق الطريق أمام التحقيق الجنائي إذا ظهرت أدلة على إهمال جسيم، أو مساهمة سببية في الوفاة، أو تستر على إساءة معاملة.
مسؤولية الدولة
وعلى مستوى مسؤولية الدولة، قال عبد الغني: إن الدولة تتحمل مسؤولية دولية إذا أخفقت في حماية حياة محتجز أو سلامته، أو في توفير الرعاية الطبية الضرورية، أو في إجراء تحقيق فعال في وفاته. وتقوم هذه المسؤولية بصورة مستقلة عن تحديد المسؤولية الجنائية النهائية لفرد بعينه.
وأوضح أن السؤال الأساسي في هذه القضية يتمثل في ما إذا كانت السلطات قد اتخذت التدابير المعقولة والمتوقعة بعد العلم بمرض الناعور، وما إذا كانت قد استجابت في الوقت المناسب لأي علامات تدهور. فإذا ثبت إهمال في الحماية أو العلاج أو الإحالة الطبية، فإن المسؤولية القانونية لا تختزل في ضعف الإجراء أو في مخالفة إدارية، بل قد تمس الحق في الحياة المنصوص عليه في المادة 6 من العهد.
ما ينبغي أن يثبته التحقيق
وبشأن ما ينبغي أن يكشفه التحقيق، قال عبد الغني إنه لكي يكون منسجماً مع بروتوكول مينيسوتا ومعايير العهد الدولي، يجب أن يجيب عن المسائل الآتية: متى احتجز محمد غميرة، وعلى أي أساس، ومن كان مسؤولا عنه في كل مرحلة؟ متى وكيف ولمن أبلغ عن إصابته بالناعور؟ هل وثقت هذه المعلومة في سجل الاحتجاز أو محاضر الضبط، وإذا لم توثق، فمن المسؤول عن ذلك؟ ما الأفعال التي وقعت أثناء الاستجواب، ومن حضرها، وهل توجد كاميرات أو تسجيلات أو شهود؟ متى ظهرت الأعراض الطبية، وما التدابير التي اتُخذت في كل مرحلة؟ متى طلب الإسعاف أو النقل إلى المستشفى، ومن اتخذ القرار، وهل كانت الاستجابة مناسبة لحالته؟ ما مضمون التقرير الطبي الشرعي الكامل، وما منهج الخبرة التي استبعدت أو ناقشت العلاقة بين العنف أو التأخر في الرعاية وبين النزف؟ ما مصير بقية الأشخاص الذين أُعلن سابقاً توقيفهم على ذمة التحقيق، وما الأساس القانوني لكل قرار يتعلق بهم؟
وأكد عبد الغني أن الشفافية لا تعني نشر جميع مواد التحقيق على نحو قد يضر بسيره، لكنها تقتضي نشر خلاصة معللة للنتائج، وتمكين الأسرة من المشاركة الفعلية، وحفظ الأدلة، وإتاحة رقابة قضائية مستقلة على القرارات الجوهرية.
وختم بالقول إن موقف الشبكة السورية لحقوق الإنسان يتمثل في عدم اختزال القضية في «وفاة مرضية»، ولا في «اعتداء ثبت أنه قتل». وقال إن المطلوب هو تحقيق قضائي مستقل وفعال يختبر العلاقة بين استخدام القوة، والعلم بالحالة الصحية، والرعاية أثناء الاحتجاز، والتأخر المحتمل في الاستجابة الطبية.
وأضاف أنه إذا ثبت أن فعل موظف أو امتناعه أسهم، بصورة متوقعة وقابلة للمنع، في الوفاة، فإن المعالجة المسلكية وحدها تكون قاصرة، وتتعين مساءلة جنائية فردية، وجبر فعّال للضرر، ومحاسبة الدولة على إخلالها بواجب حماية الحياة.
الالتزامات القانونية
وأوضح عبد الغني أن سوريا تلتزم بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ انضمت إليه في 21 نيسان/أبريل 1969، ودخل حيز النفاذ بالنسبة إليها في 23 آذار/مارس 1976. وتلزم المادة 6 بحماية الحق في الحياة، وتحظر المادة 7 التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فيما تفرض المادة 10، الفقرة 1، معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بإنسانية واحترام لكرامتهم.
وأضاف أن سوريا انضمت كذلك إلى اتفاقية مناهضة التعذيب في 19 آب/أغسطس 2004، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليها في 18 أيلول/سبتمبر 2004. وتلزم المادة 12 بإجراء تحقيق سريع ومحايد عندما توجد أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب، فيما توجب المادة 16 منع المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، حتى حين لا تصل الوقائع إلى عتبة التعذيب وفق تعريف المادة 1.
وأشار إلى أن هذه الالتزامات تزداد صرامة في سياق الاحتجاز، موضحاً أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أكدت، في تعليقها العام رقم 36 لعام 2018، أن الدولة تتحمل واجب عناية مشدداً تجاه الأشخاص المحرومين من الحرية، يشمل اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم من الأذى وتوفير الرعاية الطبية الضرورية لهم. كما اعتبرت أن حالات الوفاة أثناء الاحتجاز تثير قرينة الحرمان التعسفي من الحياة ما لم تدحضها الدولة بتحقيق مناسب يثبت احترامها لواجباتها.






