فضل عبد الغني
أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، في 23 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) بدء أعمال التأهيل الأولية في مطار المزة العسكري في دمشق، بهدف إعادة تصنيفه بوصفه مرفقاً مدنياً محدود الاستخدام للطيران الخاص والتنفيذي. غير أنَّ الإشكالية أنَّه يضم أيضاً فرع التحقيق التابع لإدارة المخابرات الجوية. وبعض الأعمال المزمع تنفيذها، بما في ذلك الهدم وإزالة الأنقاض والحفر وتسوية الأرض، قد تُحدث تغييراتٍ يتعذّر التراجع عنها أو تدارك آثارها. ومن ثم، تتعلق المسألة الأساسية بترتيب الخطوات، فقد لا يزال الموقع يحتوي على معلومات وأدلة تتصل بالاحتجاز والاختفاء والوفاة، فضلاً عن حقوق لم تُحسم بعد لأصحاب الأراضي التي أُقيم عليها المطار. والسؤال هو ما إذا كان سيجري توثيق هذه المعلومات والأدلة والتحقق منها قبل تغيير معالم الأرض والمباني، أم لن يُبحث عنها إلا بعد وقوع تلك التغييرات.
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان استخدام الفرع في عمليات الاعتقال والاحتجاز والاستجواب والتعذيب والإخفاء القسري من 2011 إلى 2024 في ظل نظام الأسد. ويشمل ذلك آلاف حالات الاعتقال التي انتهت باحتجاز المعتقلين في الفرع أو نقلهم إليه. وخلال فترات متفاوتة، حُرم المعتقلون من الاستعانة بمحامٍ، ومن التواصل مع أقاربهم، ومن المثول أمام سلطة قضائية. وفي حالات موثقة، أخفت السلطات مكان احتجاز الشخص أو أنكرت احتجازه من الأساس.
وتقتضي الوفيات المرتبطة بالفرع مسارين منفصلين للتحقيق. يتعلق الأول بالوفيات أثناء الاحتجاز التي وقعت في سياق التعذيب وسوء المعاملة وظروف الاحتجاز. أما الثاني، فيتعلق بعمليات الإعدام. وهناك معلومات وشهادات تؤكد أنَّ أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم الميدانية العسكرية كانت تُنفذ سراً في مواقع محددة داخل مجمع المطار. كما تفيد بأنَّ الجثامين كانت تُنقل من دون إبلاغ العائلات بمصير ذويها أو بمكان دفنهم.
كما أنَّ هناك مواقع يُشتبه في استخدامها للدفن داخل المطار أو في محيطه. وفي 24 سبتمبر/ أيلول، أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أنَّ فرقها تعمل في أربعة مواقع، يُشتبه في احتوائها على رفات أو قبور. وتبرّر هذه المؤشرات إخضاع تلك المواقع للحماية والفحص المتخصص، لكنَّها لا تثبت، في حد ذاتها، وجود مقابر جماعية، ولا تحدد عدد الرفات التي قد يحتوي عليها أي موقع منها. ولا ينبغي تصنيف أي موقع بوصفه مقبرة جماعية قبل إخضاعه لفحص ميداني وعلمي موثق يفضي إلى نتائج تبرر هذا التصنيف.
غير أنَّ الحماية لا يجوز أن تقتصر على النقاط التي يُشتبه في وجود رفات فيها. فقد تكمن القيمة الإثباتية لمرفق احتجاز سابق في الترابط القائم بين أجزائه المختلفة وسياقها المكاني والمادي. ويشمل ذلك الغرف والممرّات والساحات، والنقوش وعلامات التغيير، وسجلات الاحتجاز والنقل، ووثائق المحاكم الميدانية، ومتعلقات المعتقلين، والتربة التي قد تحتفظ طبقاتها بمؤشرات على تعاقب الأحداث. كما أنَّ أنقاض منشأة احتجاز سابقة لا تُعد بالضرورة مجرد مخلفات ينبغي التخلص منها. ولا يعني أي من ذلك أنَّ أعمال البناء أو إعادة التأهيل غير مشروعة في ذاتها. وإنَّما يكمن الحد الفاصل بين تدخل يمكن التراجع عنه وآخر يتعذر تدارك آثاره، وبين أعمال تُنفذ قبل تقييم المخاطر التي تهدد الأدلة وأعمال تُنفذ بعد إجراء هذا التقييم.
ويُظهر التسلسل الزمني للأحداث حتى الآن سبب أهمية هذا التمييز. ففي 3 سبتمبر/ أيلول، أعلنت هيئة الطيران المدني أنَّها بدأت أعمالاً تمهيدية شملت إزالة الأنقاض. وفي 22 الشهر نفسه، زار فريق من الهيئة الوطنية للمفقودين المطار وحدّد نقاطاً تستدعي اتخاذ تدابير احترازية. وفي تلك النقاط، حظرت الجهتان أعمال الحفر والتسوية والبناء وأي عبث بالتربة. كما اتفقتا على وقف العمل فوراً إذا عُثر على رفات أو متعلقات شخصية أو مؤشرات تدل على وجود موقع دفن. وفي هذه الحالة، تُترك المواد التي كُشف عنها دون مساس، وتُؤمَّن المنطقة، وتُبلَّغ الهيئة. وقد اعتُمدت هذه التدابير الاحترازية قبل يوم من الإعلان الرسمي عن أعمال التأهيل، لكنَّها جاءت بعد تسعة عشر يوماً من بدء الأعمال التمهيدية. ولا توجد معلومات تفصيلية توضح ما تمَّ إنجازه خلال تلك الفترة، ولا في أي أجزاء من المطار نُفذت الأعمال، ولا ما إذا كانت إزالة الأنقاض قد امتدت إلى مباني الفرع وملحقاته.
وتُعد التدابير المعتمدة ذات أهمية فعلية في الحد من خطر إلحاق ضرر غير مقصود بالأدلة، غير أنَّ محدوديتها تكمن في نطاقها. فخارج النقاط المحددة، تعتمد الحماية على ظهور مؤشرات أثناء تنفيذ الأعمال. إلا أنَّ غياب مؤشر ظاهر لا يعني أنَّ الأرض تخلو من أدلة مدفونة. لذا ينبغي أن تُحدد كتابةً الجهة المخولة بوقف الأعمال والجهة المخولة بالموافقة على استئنافها. وينطبق الأمر نفسه على الإجراءات اللازمة لحفظ أصل كل مادة يُعثر عليها وسياقها وسلسلة حيازتها. ولا ينبغي أن يُترك للمقاول تقرير ما إذا كان ما يعثر عليه يشكل دليلاً أم لا. فبحسب ظروف كل حالة، يمتد حق أهالي المفقودين في معرفة الحقيقة إلى معرفة ظروف الاعتقال والنقل، ومصير الشخص ومكان وجوده، والمسؤولين عن الأفعال المرتبطة باختفائه. وعندما تتأكد الوفاة، يمتد هذا الحق إلى معرفة مكان الدفن.
فحص كل عقار قبل أي ترتيب نهائي
بموجب المواد 2 (3) و6 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يتعين على سورية التحقيق في حالات الحرمان من الحياة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، وفي ادعاءات التعذيب. ولا يؤدي تغيير الحكومة إلى إنهاء هذه الالتزامات. وقد يتعرض الوفاء بها لتقويض إذا دُمّرت الأدلة ذات الصلة، أو جرى تغييرها، أو فُصلت عن سياقها ومصدرها بما ينتقص من قيمتها الإثباتية. ومتى توافرت الشروط القانونية اللازمة، فقد يرتب عدم حفظ هذه الأدلة مسؤولية الدولة في حد ذاته. أما المسؤولية الجنائية الفردية، فيبقى تحديدها من اختصاص المحاكم المختصة.
وتوفر أوضاع الأراضي سبباً ثانياً ومستقلاً لتجنب اتخاذ خطوات أو ترتيبات يصعب أو يستحيل الرجوع عنها. فقد كانت أجزاء من أراضي المطار مسجلة بأسماء مئات المواطنين. واستُملكت أجزاء منها في مراحل مختلفة، فيما لا تزال بعض مطالبات الملكية والتعويض دون تسوية. ويفيد بعض أصحاب الحقوق بأنَّهم لم يتلقوا أي تعويض، بينما تشير روايات أخرى إلى إجراءات استملاك لم تُستكمل. ولا يجوز التعامل مع أراضي المطار كما لو كانت جميع المقاسم تتمتع بالتاريخ القانوني والوضع القانوني نفسيهما. كما أنَّ مجرد وجود مطالبة لا يثبت استمرار الملكية، إذ قد تكون بعض المقاسم قد انتقلت بصورة قانونية إلى جهات عامة. وفي المقابل، لا يجوز افتراض أنَّ إجراءات الاستملاك السابقة كانت صحيحة ومستكملة في جميع الحالات.
ولذلك، يتطلب كل عقار فحصاً قانونياً فردياً. ويقتضي ذلك تحديد المالك المسجل، والأساس القانوني للاستملاك وتاريخه، ومقدار التعويض الذي جرى تقديره وما إذا كان قد دُفع فعلاً، وأي اعتراضات أو أحكام قضائية ذات صلة، وما طرأ لاحقاً على الحقوق من انتقال بالميراث. ولا يؤدي تغيير استخدام العقار إلى تصحيح استملاك سابق أو إضفاء المشروعية عليه بأثر لاحق. كما لا ينبغي أن تؤدي ترتيبات الاستثمار أو منح امتياز لمشغّل خاص إلى تحويل نزاع لم يُحسم إلى أمر واقع يصعب الرجوع عنه. وبحسب ظروف كل حالة، قد تتمثل النتيجة في رد العقار، أو تسوية مسألة التعويض، أو إتاحة سبيل فعال للمراجعة.
ولا يمكن التوفيق بين إعادة الاستخدام المدني للمطار والحفاظ على الأدلة إلا إذا رُتبت العمليات ترتيباً صحيحاً. وينبغي أن تتمثل الخطوة الأولى في إجراء مسح شامل للمطار يستند إلى تقييم للمخاطر، وذلك قبل تنفيذ أي أعمال لا يمكن التراجع عن آثارها. ثم ينبغي أن يتبع ذلك فحص جنائي متخصص للمناطق التي يحددها المسح. وينبغي أن تحكم نتائج هذا الفحص خطة تنفيذ مرحلية، بحيث تستمر الأعمال في بعض المناطق، وتُعلق في مناطق أخرى إلى حين استكمال فحصها، ولا تمضي في المواقع التي تستلزم حماية كاملة. كما ينبغي توسيع بروتوكول وقف العمل ليشمل الوثائق والأدلة المادية المرتبطة بالاحتجاز، مع إلزام المقاولين والمتعهدين بأحكامه. وينبغي كذلك لهيئة الطيران المدني أن تكشف عن الأعمال التي نُفذت منذ 3 سبتمبر/ أيلول وعن نطاق الأعمال الجارية حالياً. ويجب أن يجري ذلك ضمن آلية تنسيق رسمية تضم الهيئتين الوطنيتين والجهات القضائية والفنية المختصة ومنظمات من المجتمع المدني. كما ينبغي إرجاء أي ترتيبات نهائية للاستثمار أو نقل الحقوق إلى حين إجراء مراجعة قانونية مستقلة لوضع كل عقار.
ولا يتطلب أيٌّ من هذا بقاء مطار المزة مرفقاً عسكرياً. وإنَّما يتطلب أن يأتي التحول المادي للمطار بعد، لا قبل، تحديد ما لا يزال الموقع يحتويه من أدلة ورفات وسجلات وحقوق لم تُحسم. فبمجرد تسوية الأرض وإزالة المباني أو تغيير معالمها، قد يصبح التوصل إلى بعض عناصر هذه الحقيقة متعذراً بصورة نهائية.






