يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، لـ”العربي الجديد”، أن “المطلوب في الوقت الحالي ليس عفواً عاماً، ولا تسوية جماعية غير منضبطة، بل آلية مراجعة قضائية مستقلة وسريعة تميز بين ثلاث فئات مختلفة، أولها الملفات ذات المنشأ الأمني أو السياسي أو الكيدي، وثانيها الملفات الجنائية العادية التي قد تتضمن حقوقاً شخصية أو متضررين محددين، وثالثها الملفات التي تتعلق بجرائم جسيمة لا يجوز إغلاقها أو إسقاطها تحت عنوان تصحيح المظالم”.
ويوضح عبد الغني: “لا يجوز أن يبقى أي شخص رهينة تعميم أمني أو حكم غيابي أو مذكرة توقيف صدرت في سياق غابت فيه ضمانات المحاكمة العادلة، فالأصل هو البراءة، والحق في معرفة التهمة، والحق في الدفاع، والحق في الطعن، وحظر الاعتقال التعسفي، وعدم جواز تقييد حرية الحركة أو منع العودة إلى البلاد إلا بموجب إجراء قضائي مشروع، كما أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي ألّا تستخدم أوصاف جنائية عامة لإخفاء ملاحقة سياسية أو عقاب على الرأي أو الانتماء أو الإقامة خارج البلاد”.
ويضيف: “أعتقد أننا يجب أن نكون أكثر حذراً خلال المرحلة الانتقالية، فنحن أمام إرث كامل من تداخل الأجهزة الأمنية مع القضاء، واستخدام التهم الجنائية غطاء لعقاب سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي. لذلك لا يكفي أن يطلب من كل متضرر خوض إجراءات طويلة لإثبات أنه ليس مجرماً، بل يجب أن تتحمل الدولة والمؤسسة القضائية عبء مراجعة هذا الإرث، لأن جزءاً كبيراً منه نشأ داخل منظومة لم تكن مستقلة، ولم تكن خاضعة لرقابة قضائية”.
ويبين عبد الغني أن “هناك خطوات عملية متعددة، والخطوة الأولى هي إنشاء دوائر أو لجان قضائية متخصصة ذات ولاية واضحة مع مهلة زمنية قصيرة لمراجعة التعاميم ومذكرات البحث والأحكام الغيابية والقيود الأمنية ذات المنشأ السياسي أو الأمني، وينبغي أن تكون قرارات هذه الآلية معللة، وقابلة للمراجعة أو الطعن أمام جهة أعلى، وأن تخضع لمعايير منشورة حتى لا تتحول إلى باب جديد للاستنساب أو الوساطة أو الابتزاز. الخطوة الثانية هي وقف الآثار التنفيذية مؤقتاً في الملفات منخفضة الخطورة إلى حين انتهاء المراجعة، ما يعني عدم توقيف الشخص عند الحدود، وعدم منعه من الحصول على الوثائق المدنية، وعدم إبقاء اسمه على قوائم منع السفر أو الحجز أو المراقبة إذا كان الملف قائماً على تهمة سياسية، أو على تقرير أمني أو حكم غيابي فاقد لضمانات الدفاع. هذا الإجراء لا يعني إسقاط الجرائم، بل يمنع استمرار العقوبة قبل ثبوت المسؤولية”.
ويتابع: “ينبغي أن تنتقل الملفات التي تتضمن ادعاءات جدية بالقتل أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو الاغتصاب أو النهب أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، إلى مسار تحقيق جنائي متخصص. وهنا لا يجوز استخدام خطاب تنظيف السجلات لإنتاج إفلات جديد من العقاب، فالعدالة الانتقالية لا تعني محو الماضي، بل فرز المسؤوليات على أساس الأدلة والمسؤولية الفردية والمحاكمة العادلة”.
ويؤكد: “يجب أن يكون المعيار الفاصل واضحاً، فإذا كان الملف قائماً على رأي سياسي، أو نشاط مدني، أو غياب خارج البلاد، أو تهمة عامة بلا ضحية محددة، أو اعتراف منتزع تحت الإكراه، أو تقرير أمني غير قابل للاختبار، فالأصل أن يخضع لشطب سريع. أما إذا وجد فعل جنائي محدد، ومتضرر معروف، وأدلة قابلة للفحص القضائي، فيجب أن يسير الملف عبر القضاء العادي بضمانات كاملة، وإذا كان الفعل يرقى إلى جريمة جسيمة، فلا مكان للتسوية الإدارية أو العفو”.
ويستطرد عبد الغني: “هناك خطوات أولية تشمل إلغاء عدد كبير من الملاحقات والتعاميم المرتبطة بعهد النظام السابق، وتشكيل لجنة للنظر في اعتراضات المحكومين غيابياً على خلفية سياسية. هذه خطوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها، فقيمتها الحقيقية تتوقف على الشفافية، ونشر المعايير، وضمان استقلال القضاة، وإتاحة الاطلاع على الملفات، وإزالة الآثار من قواعد البيانات الأمنية والحدودية، وتمكين المتضررين من الانتصاف والتعويض عند وجود ضرر فعلي”.






