أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أبرز الجوانب القانونية المرتبطة بالقرار، مقدماً قراءة شاملة لتداعياته، وما الذي سيتغير فعلياً بعد استكمال إجراءات الشطب، وما الذي سيبقى قائماً على صعيد العقوبات الأمريكية، والتعاملات المصرفية والاستثمارية، ودعاوى التعويض، ومسارات العدالة الانتقالية والمساءلة عن الجرائم المرتكبة في سوريا.
القرار لم يدخل حيز التنفيذ بعد
أكد عبد الغني أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 8 تموز/يوليو 2026، إبلاغ الكونغرس بعزم الإدارة الأمريكية إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، يمثل بداية الإجراءات القانونية للشطب، لكنه لا يعني خروج سوريا نهائياً من القائمة في الوقت الحالي، إذ بدأت عقب الإخطار فترة مراجعة أمام الكونغرس تستمر 45 يوماً، ما يجعل الوصف القانوني الأدق أن الولايات المتحدة شرعت بإجراءات شطب سوريا، دون أن تكون العملية قد اكتملت بعد.
بيّن أن تصنيف “الدولة الراعية للإرهاب” لا يستند إلى قانون واحد، وإنما إلى ثلاثة أطر تشريعية أمريكية رئيسية، هي المادة 620A من قانون المساعدة الخارجية، والمادة 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والمادة 1754(c) من قانون إصلاح الرقابة على الصادرات لعام 2018.
مساران قانونيان للشطب
أوضح عبد الغني أن التشريعات الأمريكية تتيح مسارين لإلغاء التصنيف، يتمثل الأول في تصديق رئاسي يؤكد حدوث تغيير جوهري في قيادة الدولة وسياساتها، مع ضمان عدم دعم الحكومة الجديدة للإرهاب الدولي مستقبلاً، بينما يقوم المسار الثاني على إثبات عدم تقديم أي دعم للإرهاب خلال الأشهر الستة السابقة، مع تقديم الضمانات ذاتها.
لفت إلى وجود فهم غير دقيق بشأن مهلة الـ45 يوماً، موضحاً أن القانون لا يفرض هذه المهلة على المسارين بالطريقة نفسها، إذ يكتفي مسار “التغيير الجوهري” بتقديم التقرير قبل دخول القرار حيز التنفيذ، بينما يشترط المسار الآخر تقديم التقرير قبل 45 يوماً على الأقل من نفاذ القرار.
أشار إلى أن إعلان الإدارة الأمريكية بدء فترة مراجعة تمتد 45 يوماً يعني أن قرار الشطب لم يصبح نافذاً بعد، بصرف النظر عن الأساس القانوني الذي استند إليه التصديق الرئاسي، والذي لم يُنشر كاملاً حتى الآن.
دور الكونغرس وحدود صلاحياته
بيّن عبد الغني أن دور الكونغرس يحتاج إلى توصيف قانوني دقيق، إذ يتيح قانون مراقبة تصدير الأسلحة إصدار قرار مشترك لمنع الشطب خلال فترة المراجعة في بعض الحالات، إلا أن هذا القرار يعد تشريعاً عادياً يخضع للإجراءات الدستورية، بما فيها إحالته إلى الرئيس وإمكانية استخدام حق النقض “الفيتو”، وبالتالي لا يمثل حق نقض مباشر أو منفرد لأي من مجلسي الكونغرس.
ما الذي يتغير بعد الشطب؟
أكد عبد الغني أن شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يختلف قانونياً عن رفع العقوبات الاقتصادية الشاملة، موضحاً أن الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14312 الصادر في 30 حزيران/يونيو 2025 أنهى حالة الطوارئ التي استند إليها برنامج العقوبات على سوريا، وألغى ستة أوامر تنفيذية، ودخل حيز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو 2025، كما رفعت وزارة الخزانة الأمريكية أسماء 518 شخصاً وكياناً من قوائم العقوبات، مع الإبقاء على 139 شخصاً وكياناً، معظمهم مرتبطون بالنظام البائد، بموجب سلطات قانونية أخرى.
أضاف أنه منذ تموز/يوليو 2025 لم يعد هناك حظر اقتصادي أمريكي شامل على التعامل مع سوريا، كما سمحت وزارة الخزانة الأمريكية للمؤسسات المالية الأمريكية بتقديم الخدمات المصرفية وإقامة علاقات مراسلة مع المؤسسات السورية، بما فيها مصرف سوريا المركزي، شريطة ألا تكون أطراف المعاملات مدرجة على قوائم العقوبات الأخرى.
شدد على أن القرار الحالي لا يمثل أول رفع للعقوبات عن سوريا، بل يزيل طبقة قانونية مستقلة بقيت قائمة بعد إنهاء العقوبات الاقتصادية الشاملة، وكانت تفرض قيوداً مؤسسية وقضائية وسياسية إضافية.
انعكاسات على المساعدات والاستثمار
أوضح عبد الغني أن من أبرز الآثار القانونية المباشرة للشطب إزالة الحظر المفروض بموجب قانون المساعدة الخارجية على تقديم طيف واسع من المساعدات الأمريكية للحكومة السورية، بما يشمل المساعدات المنصوص عليها في عدد من القوانين الأمريكية، إلا أن ذلك لا يعني إلزام الولايات المتحدة بتقديم هذه المساعدات، إذ تبقى مرتبطة بالاعتمادات المالية والقرارات السياسية والقيود القانونية الأخرى.
أشار إلى أن الشطب يرفع كذلك القيود المرتبطة بتصنيف الدولة الراعية للإرهاب على صادرات المواد الدفاعية وبعض السلع ذات الاستخدام المزدوج، لكنه لا يجعل تصدير الأسلحة أو التكنولوجيا الحساسة إلى سوريا مسموحاً تلقائياً، إذ تبقى جميع الصادرات خاضعة لأنظمة التراخيص والرقابة ومتطلبات الأمن القومي.
لفت إلى أن القانون الأمريكي يلزم وزير الخزانة بتوجيه ممثلي الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، للتصويت ضد منح قروض للدول المصنفة راعية للإرهاب، وبالتالي فإن الشطب يزيل هذا الالتزام، لكنه لا يضمن حصول سوريا على قروض أو تمويل، لأن ذلك يتطلب استيفاء جميع الشروط والإجراءات الخاصة بتلك المؤسسات.
أثر اقتصادي مهم لكنه ليس تلقائياً
رجح عبد الغني أن يكون الأثر الاقتصادي الأبرز للشطب مرتبطاً بالقطاع المصرفي والاستثماري، موضحاً أن التعاملات المصرفية الأساسية أصبحت قانونية منذ عام 2025، إلا أن استمرار تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب أبقى مستوى مرتفعاً من المخاطر القانونية ومخاطر السمعة بالنسبة للمصارف وشركات التأمين والمستثمرين.
أوضح أن إزالة التصنيف قد تسهم في تقليل الامتثال المفرط وتشجيع العلاقات المصرفية وتمويل التجارة والاستثمار، لكنها لا تعني إعادة دمج الاقتصاد السوري تلقائياً في النظام المالي العالمي، إذ ستظل المؤسسات المالية تقيّم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد وشفافية الملكية واستقلال القضاء ومدى الالتزام بالمعايير الدولية.
الحصانة السيادية ودعاوى التعويض
أكد عبد الغني أن الشطب لا يؤدي إلى إلغاء الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد سوريا، ولا يسقط الدعاوى التي استوفت شروطها القانونية عند رفعها، لكنه سيحد، بعد انقضاء المهلة القانونية، من إمكانية رفع دعاوى جديدة استناداً إلى استثناء الإرهاب، ما لم يوجد أساس قانوني آخر أو يصدر تشريع أمريكي جديد.
أوضح أن القرار لا ينشئ صندوقاً لتعويض الضحايا، ولا يسوي الأحكام القضائية السابقة، ولا يوفر حماية تلقائية لأصول الدولة السورية، مشيراً إلى أن تجارب دول مثل ليبيا والسودان أظهرت أن معالجة هذه الملفات احتاجت إلى اتفاقات دولية وتشريعات خاصة لإعادة الحصانة السيادية.
شدد على أن أي معالجة مستقبلية لهذا الملف يجب أن تتم عبر مسار قانوني وتفاوضي يوازن بين حقوق الضحايا واستمرارية الدولة، دون تحميل السوريين تبعات الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد البائد.
العقوبات الفردية باقية
أكد عبد الغني أن شطب سوريا من القائمة لا يشمل العقوبات الفردية المفروضة على الإرهابي الفار بشار الأسد وأعوانه، أو مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو شبكات تجارة الكبتاغون، أو المرتبطين ببرنامج الأسلحة الكيميائية، أو تنظيمي داعش والقاعدة، أو إيران ووكلائها، موضحاً أن الولايات المتحدة أبقت إطاراً قانونياً مستقلاً يتيح استمرار فرض هذه العقوبات.
شدد كذلك على ضرورة عدم الخلط بين تصنيف الدولة السورية وتصنيفات أخرى كانت مفروضة على هيئة تحرير الشام أو مسؤولين سوريين، موضحاً أن هذه الإجراءات القانونية منفصلة تماماً عن ملف شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
لا تأثير على مسارات العدالة
اختتم عبد الغني تصريحه بالتأكيد أن شطب سوريا من القائمة الأمريكية يتعلق بالسياسة والقانون الداخليين للولايات المتحدة، ولا يشكل حكماً دولياً بشأن جرائم نظام الأسد البائد، ولا يبرئ مرتكبي الانتهاكات، كما لا يؤثر في المسؤولية الجنائية الفردية، أو الأدلة التي جمعتها الهيئات السورية والدولية، أو عمل الآلية الدولية المستقلة للتحقيق في الجرائم المرتكبة في سوريا منذ عام 2011.
أوضح أن القرار لا يمس التزامات الدول بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، ولا يجعل العدالة الانتقالية أو حماية الأقليات أو الإصلاح الدستوري شروطاً قانونية للشطب، إذ يقتصر المعيار القانوني على مسألة دعم الإرهاب الدولي والتعهد بعدم دعمه مستقبلاً، فيما تبقى ملفات حقوق الإنسان وسيادة القانون والاستقرار الداخلي ضمن الاعتبارات السياسية التي قد تستند إليها الولايات المتحدة في صياغة علاقاتها المستقبلية مع سوريا.






