وحول موقف الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أشار عبد الغني إلى أن التأخر المحدود في الاستخراج قد يكون مهنياً ومبرراً، أما التأخر في حماية المواقع فلا يمكن تبريره، فالمقبرة الجماعية ليست مكاناً للدفن فقط، إذ يمكن أن تكون، في عدد كبير من الحالات، مسرح جريمة يحتوي على معلومات تتعلق بالضحية، وسبب الوفاة، وطريقة القتل، والجهة التي احتجزت الضحية أو قتلتها، وربما بسلسلة المسؤولية أيضاً.
لذلك، فإن استخراج الرفات من دون أي مسح جنائي وتوثيق مكاني دقيق قد يؤدي إلى اختلاط الرفات وفقدان الصلة بينها وبين الملابس، أو القيود، أو المقذوفات، أو المتعلقات الشخصية، بما يضر بعملية التعرف الفردي وبالقيمة الإثباتية للأدلة.
مسارات الهيئة الوطنية للمفقودين في ملف المقابر الجماعية
بحسب فضل عبد الغني، يمكن تلخيص المسارات التي انتقلت الهيئة الوطنية للمفقودين إلى العمل عليها حتى الآن في مجموعة مترابطة من المجالات، أهمها بناء السجل الوطني للمفقودين، واستقبال البلاغات والتحقق منها، وتوثيق مواقع المقابر المشتبه بها وحمايتها، وتطوير خارطة وطنية لهذه المواقع، وإعداد الإطار القانوني والمؤسسي للملف، وبناء القدرات الوطنية في الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي.
وأضاف عبد الغني أن هناك تنسيقاً وتعاوناً مباشراً بين الهيئة الوطنية للمفقودين والشبكة السورية لحقوق الإنسان، حيث عقد اجتماع في 11 أيلول 2025، في مقر الشبكة بدمشق، مع رئيس الهيئة وفريقها التنفيذي، وجرى بحث سبل الاستفادة من قاعدة بيانات الشبكة وآليات التعاون في ملف المفقودين والمختفين قسراً، ومن المتوقع توقيع اتفاق تعاون قريباً بين الطرفين، بعد أن أكملت الهيئة بناء نظامها الداخلي وسياسات الحوكمة الخاصة بها.
ولفت عبد الغني إلى أن الهيئة الوطنية للمفقودين تعمل على التعاون مع جهات دولية تمتلك الخبرة في ملف المقابر الجماعية، وأبرزها منظمة “آي سي إم بي”، التي سبق أن عملت في البوسنة ومناطق أخرى كالعراق وليبيا، حيث وقعت الهيئة مع المنظمة مذكرة تفاهم في تشرين الثاني 2025.
وأدت منظمة “آي سي إم بي” دوراً محورياً في تجربة البوسنة، حيث كان هناك نحو 31500 مفقود، وتم الكشف عن مصير نحو 75 في المئة منهم، وأسهمت المنظمة في بناء القدرات المؤسسية والتشريعية، واستخدام تحليل الحمض النووي بصورة منهجية، وإشراك الأسر، وربط نتائج الطب الشرعي بالمحاكم الوطنية والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
لكن، بحسب عبد الغني، لا ينبغي استنساخ تجربة البوسنة بصورة حرفية، فالحالة السورية أكبر وأكثر تعقيداً من حيث المدى الزمني، وعدد الجهات المسؤولة، وانتشار مواقع الاحتجاز والدفن، وتضرر الأرشيفات، وحجم الشتات السوري، وما ينبغي استيراده من تجربة البوسنة هو المنهج، وليس النموذج المؤسسي بحذافيره.
ويضم المنهج قاعدة بيانات مركزية موثوقة، وبيانات ما قبل الوفاة، وعينات جينية مرجعية من الأسر، ومختبرات معتمدة، وإدارة صارمة لسلسلة الحيازة، ومشاركة الأسر، واستقلالاً فنياً يمنع التسييس أو التمييز بين الضحايا.






