شاركت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في “حوارات لاهاي للعدالة 2026″، وهو ملتقى دولي يُعنى بالعدالة والكرامة الإنسانية وحماية ضحايا الحرب، نظّمته مؤسسة القانون الجنائي الدولي (S.I.S) في فندق هيلتون لاهاي بهولندا، يومي 14 و15 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وقد جمع الملتقى خبراء قانونيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وممثلين دبلوماسيين، وصحفيين، وأصواتًا من المجتمع المدني.
وتحدّث فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، يوم الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر في جلسة بعنوان “حين تختبر الحرب العدالة”، أدارها السيد برويز كاوا. وتناولت الجلسة تحديات العدالة والمحاسبة في النزاعات المسلحة، وكيف يمكن للقانون الدولي أن يستجيب حين يتعرّض المدنيون لانتهاكات جسيمة، وتقع المؤسسات تحت الضغط، ويكافح الضحايا من أجل نيل الاعتراف والعدالة.
وقال عبد الغني إنَّ التقرير الحقوقي والتحقيق الجنائي يؤديان وظيفتين مختلفتين: فالأول يُثبت ما حدث، في حين يتعيّن على الادعاء أن يُثبت ما فعله شخص بعينه، وما كان يعلمه أو يقصده، وأيّ شكل من أشكال المسؤولية القانونية يترتب عليه. وقال: “أكثر ما ينقص في الغالب هو الأدلة التي تربط جريمة موثّقة بمشتبه به محدد، إلى جانب سلطة تملك الصلاحية القانونية للحصول على تلك الأدلة واختبارها“.
وأشار عبد الغني إلى أنَّ المحققين ما زالوا بحاجة -عقب التوثيق- إلى أدلة الربط، كالأوامر المكتوبة وسجلات الاحتجاز وقوائم النقل؛ وسجلات يمكن التحقق من صحتها، مع بيان موثوق لمصدرها وتسلسل حيازتها؛ إلى جانب شهود متاحين أمام المحكمة وافقوا على الإدلاء بشهاداتهم؛ وبحث دقيق عن الأدلة النافية للتهمة. وأشار إلى أنَّ المجتمع المدني قادر على جمع قدر كبير من هذه المواد، لكنَّه لا يملك سلطة الإلزام، ولا مصادرة الأرشيفات، ولا استدعاء الشهود، ولا استجواب المشتبه بهم، ولذلك فإنَّ الفجوة مؤسساتية بقدر ما هي فجوة في الأدلة. كما سلّط الضوء على صعوبتين خاصتين بسوريا: فقانون العقوبات السوري لا يُعرّف الجرائم ضد الإنسانية ولا جرائم الحرب، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) لا يمكنها تقديم المساعدة في قضية قد تُطبَّق فيها عقوبة الإعدام.
ودعا إلى بناء قدرات تحقيق وادعاء متخصصة ومستقلة في سوريا، تتمتع بإمكانية وصول مشروعة إلى أرشيفات الأجهزة الأمنية، وبإطار لحماية الشهود منصوص عليه في القانون، على أن تكون مهمتها الأولى مراجعة الملفات القائمة، وأن يتولى الشركاء الدوليون تمويل هذه القدرات وتدريبها.
وفي حديثه عما يجعل المحاسبة في المرحلة الانتقالية في سوريا ذات مصداقية لدى ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف مختلفة، قال عبد الغني: “تصبح المحاسبة ذات مصداقية لدى جميع الضحايا حين يُطبَّق المعيار القانوني نفسه أياً كان الجاني، بما في ذلك حين يكون في خدمة سلطات اليوم، وحين تعترف الدولة بالضحية بناءً على ما ارتُكب بحقه، أيًا كان مرتكبه“.
وشدّد على أنَّ ذلك لا يعني التماثل، مشيرًا إلى أنَّ نظام الأسد وحلفاءه مسؤولون عن الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين الذين وثّقت الشبكة مقتلهم، وأنَّ المعايير المتساوية تعني ألا يُحمى أي مشتبه به بسبب انتمائه السياسي أو موقعه العسكري أو انتمائه المجتمعي. وأشار إلى أوجه عدم التماثل في الإطار الحالي، ومنها المرسوم رقم 20 الصادر في أيار/مايو 2025، الذي يحصر عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في الانتهاكات الجسيمة التي تسبّب بها النظام السابق، والمادة 49 من الإعلان الدستوري، التي، وفق قراءة الشبكة، ترفع حظر الملاحقة بأثر رجعي على الجرائم الدولية بالنسبة إلى النظام السابق، بينما تُبقي عليه بالنسبة إلى غيره. ودعا السلطة التشريعية إلى إزالة أوجه عدم التماثل هذه بموجب القانون.
وحدّد عبد الغني أربعة التزامات لتحقيق المساواة الفعلية في المعاملة وهي: أن تكون قرارات التحقيق والاتهام بمنأى عن التوجيه السياسي؛ وأن تُنشر معايير اختيار القضايا، بحيث لا يتحوّل التأجيل إلى استبعاد دائم؛ وأن تُكفل محاكمات عادلة لكل متهم؛ وأن تُتاح للضحايا من جميع المجتمعات مشاركة آمنة وحماية من الأعمال الانتقامية. وأضاف أنَّ الملاحقة القضائية ليست سوى أحد سبل الانتصاف، مؤكدًا أنَّ البحث عن المفقودين، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ينبغي ألا تتوقف على هوية الجاني.
وتتوجّه الشبكة بالشكر إلى مؤسسة القانون الجنائي الدولي على دعوتها وتنظيمها هذا الملتقى، وتؤكد التزامها بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، ودعم الضحايا، والعمل مع الشركاء الوطنيين والدوليين من أجل تعزيز العدالة والمحاسبة.






