يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن اتفاقية نقل المحكومين مسار قانوني يختلف عن الإفراج بموجب قانون العفو.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات السورية – اللبنانية إعادة ترتيب لملفاتها على أساس التعاون الرسمي بين الدولتين، وفق مبدأ الاحترام المتبادل والحفاظ على السيادة، حيث اتخذ البلدان خطوات متبادلة لإعادة صياغة علاقة متوازنة، وذلك بعد سنوات من التوتر إبان النظام المخلوع.
ودخلت العلاقات السورية – اللبنانية في عام 2026 مرحلة جديدة وجوهرية، تمثل قطيعة مع الماضي وانتقالاً نحو علاقة قائمة على أسس الدولة والمؤسسات، بحسب المستشار السياسي والأكاديمي في العلوم السياسية، الدكتور مصطفى خالد المحمد.
أهمية قانون العفو العام
رغم أن القانون رقم (70) ليس عفواً خاصاً بالسجناء السوريين، ولا يؤدي إلى الإفراج عنهم بصورة جماعية، فإنه يكتسب أهمية بالنسبة إليهم، فالمعيار الذي اعتمده القانون هو تاريخ ارتكاب الجريمة ووصفها القانوني، لا جنسية مرتكبها، بحسب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني.
وأوضح أن المادة الأولى تمنح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، وتقرر، بالنسبة إلى الجرائم المشمولة، سقوط دعوى الحق العام ومحو العقوبات الأصلية، من دون تمييز بين اللبناني وغير اللبناني، كما تؤكد المادة السابعة صراحة انطباق أحكام القانون على المستفيدين غير اللبنانيين، من خلال تنظيم الإجراءات التي تتبع بحقهم بعد إخراجهم من السجن.
وتنص المادة السابعة من القانون على أنه “بالنسبة إلى غير اللبنانيين، أي شخص يستفيد من أحكام هذا القانون يسلم فور إخراجه من السجن إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى وفق الأصول القانونية”.
غير أن نطاق الاستفادة من القانون تحكمه استثناءات واسعة نصت عليها المادة الثانية، بحسب عبد الغني، فهي تستثني من بين جرائم أخرى، الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، وجرائم الإرهاب المنصوص عليها في قانون 11 كانون الثاني 1958 إذا ارتُكبت بحق مدنيين أو عسكريين أو عناصر القوى الأمنية، وجرائم عسكرية محددة، والخيانة والتجسس، إضافة إلى التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب والاتجار بالبشر ومجموعة أخرى من الجرائم.
ولذلك، لا يمكن تحديد وضع أي سجين سوري استناداً إلى جنسيته، أو حتى إلى التسمية العامة لقضيته، بل يتطلب ذلك الرجوع إلى التوصيف القانوني الدقيق للتهم والأحكام الواردة في ملفه.
ويشير عبد الغني، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن هناك أيضاً مسارين آخرين قد تكون لهما أهمية عملية، فالمادة الثالثة تنص على تخفيض بعض العقوبات في الجرائم غير المشمولة بالعفو، وفق الشروط والاستثناءات المحددة فيها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الإفراج الفوري، في حين تنص المادة الخامسة، بصورة استثنائية، على إخلاء سبيل المدعى عليه إذا تجاوزت مدة توقيفه 12 سنة من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار محاكمته وفق الأصول.
وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة عند تقييم ملفات الموقوفين، الذين أمضوا سنوات طويلة قيد التوقيف من دون حكم.
السيناريوهات القانونية بعد التسليم إلى الأمن العام
تنص المادة السابعة من قانون العفو العام على تسليم المستفيدين غير اللبنانيين من أحكام القانون، فور إخراجهم من السجن، إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى وفق الأصول القانونية، وهو ما ينطبق على السجناء السوريين والموقوفين.
ويعني ذلك، وفق عبد الغني، أن القانون يميز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين: الأولى جزائية، وتتعلق بالعفو أو تخفيض العقوبة أو إخلاء السبيل، أما الثانية فإدارية، وتتعلق بالمركز القانوني للشخص بوصفه أجنبياً في لبنان.
ومن ثم، لا يجوز الخلط بين ثلاثة أمور مستقلة: الإفراج من السجن، والتسليم إلى الأمن العام، والإبعاد أو الترحيل من لبنان.
ويوضح أن انتهاء الأساس الجزائي للاحتجاز لا يُنشئ تلقائياً حقاً في الإقامة في لبنان، لكنه، في المقابل، لا يؤدي تلقائياً إلى صدور قرار بترحيل الشخص إلى سوريا.
ويتعين على الأمن العام تحديد الوضع القانوني لكل شخص استناداً إلى قانون تنظيم دخول الأجانب إلى لبنان وإقامتهم فيه وخروجهم منه لعام 1962، وإلى وضع إقامته، وطريقة دخوله إلى البلاد، وأي قرارات أو تدابير قانونية أخرى قائمة بحقه. وينظم قانون عام 1962 الإقامة والإخراج من لبنان، ويمنح الأمن العام صلاحيات في هذا المجال، كما يتضمن نظاماً محدود النطاق للجوء السياسي.
كذلك، لا تعني المادة السابعة جواز إبقاء الشخص رهن الاحتجاز الإداري لمدة غير محددة لمجرد كونه أجنبياً، فالمادة الثامنة من الدستور اللبناني تقرر أن الحرية الشخصية مصونة، وأنه لا يجوز القبض على أحد أو حبسه أو توقيفه إلا وفقاً للقانون.
وبالتالي، فإن التسليم إلى الأمن العام يشكل بدايةً لتقييم إداري مستقل، ولا يعد مرادفاً قانونياً للترحيل، بحسب حديث عبد الغني لصحيفة “الثورة السورية”.
وحول السيناريوهات القانونية بعد التسليم إلى الأمن العام، يتمثل الاحتمال الأول في أن يكون الشخص قادراً على البقاء في لبنان أو تسوية وضعه القانوني إذا كان يستوفي شروط إحدى فئات الإقامة المعمول بها.
أما الاحتمال الثاني، فهو العودة الطوعية إلى سوريا إذا اختار الشخص ذلك ولم يوجد مانع قانوني آخر، بينما يتمثل الاحتمال الثالث في أن تتخذ السلطات قراراً بإخراج الشخص من لبنان أو ترحيله إذا توفر أساس قانوني لذلك بموجب قانون الأجانب، غير أن وجود هذا الاختصاص لا يلغي القيود التي يفرضها القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
نسبة السوريين الذين سيشملهم العفو
لا تتوفر بيانات دقيقة حول نسبة السجناء السوريين والموقوفين الذين سيستفيدون فعلياً من قانون العفو العام اللبناني، في حين أن الإحصاءات المتوفرة التي نشرتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان اللبنانية لم تصنف النزلاء بحسب نوع الجريمة، بينما تعود هذه البيانات إلى آذار الماضي، أي إنها تسبق تسليم محكومين سوريين إلى دمشق.
ويعالج القانون، من منظور أوسع، إحدى نتائج أزمة العدالة الجنائية في لبنان أكثر مما يعالج أسبابها، وفق عبد الغني، فقد نشرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، استناداً إلى إحصاءات قسم حقوق الإنسان في المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي، أن عدد نزلاء السجون بلغ 6,212 شخصاً في 10 آذار 2026، وأن الموقوفين احتياطياً شكلوا نحو 82 في المئة منهم، فيما بلغت نسبة السوريين 28.95 في المئة من مجموع النزلاء.
ولم ترد وزارة العدل السورية على استفسارات صحيفة “الثورة السورية” حول عدد السجناء السوريين في السجون اللبنانية، والعدد المتوقع شمولهم بقانون العفو اللبناني، إضافة إلى مصير السوريين الذين لا يشملهم العفو بسبب طبيعة الجرائم المنسوبة إليهم، وما إذا كان هناك تنسيق مع الجانب اللبناني لمتابعة إجراءات الإفراج عن السوريين المشمولين بالعفو.
ويتطلب تحديد النسبة الفعلية مراجعة ملفات السوريين استناداً إلى مجموعة من العناصر على الأقل، تشمل تاريخ ارتكاب الفعل، والوصف القانوني للجريمة، وما إذا كانت تندرج ضمن استثناءات المادة الثانية، وما إذا كان الشخص يستفيد من العفو الكامل أو من مجرد تخفيض العقوبة بموجب المادة الثالثة، وما إذا كان مشمولاً بإخلاء السبيل المنصوص عليه في المادة الخامسة بسبب تجاوز مدة توقيفه 12 سنة من دون صدور حكم، وأخيراً ما إذا كانت توجد بحقه قضايا أو تدابير أخرى مستقلة، وفق عبد الغني.






