سورية… محكمة استثنائية في قلب منظومة القمع
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، فيرى أن الخلل لم يكن إجرائياً فحسب، بل “بنيوياً ومؤسسياً”، مشيراً لـ”العربي الجديد”، إلى توثيق الشبكة اعتماد المحكمة على التحقيقات الأمنية واعترافات انتُزعت تحت التعذيب، فضلاً عن ضعف ضمانات الدفاع.
وتتوافق هذه الانتقادات مع ملاحظات أممية سابقة بشأن عدم كفاية الضمانات القضائية التي وفّرها القانون المنشئ للمحكمة، ومخاوف تتعلق بالاحتجاز التعسفي والتعذيب واستقلال القضاء.
وفي فبراير/شباط 2025، أحالت وزارة العدل 87 قاضياً ممن عملوا في المحكمة، منذ تأسيسها، إلى التفتيش القضائي للتحقيق في المخالفات القانونية والمسلكية المنسوبة إليهم خلال فترة عملهم.
آلاف القضايا وآثار تتجاوز السجون
تكشف بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حجم الملف الذي خلّفته المحكمة.
ووفق آخر تقرير تخصصي للشبكة، صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2020، كان ما لا يقل عن 10 آلاف و767 شخصاً لا يزالون خاضعين للمحكمة، فيما قُدّر عدد القضايا التي نظرت فيها بنحو 90 ألفاً و560 قضية. ووثقت الشبكة 3 آلاف و970 حالة حجز على الممتلكات حتى ذلك التاريخ.
ويشدد عبد الغني في حديثه مع “العربي الجديد”، على أن هذه الأرقام لا تمثل إحصاء نهائياً محدثاً لعام 2026، لكنها توضح اتساع نطاق الملف. كما يميّز بين قرارات الحجز والمصادرة المرتبطة مباشرة بمحكمة الإرهاب، وبين منظومة أوسع من الإجراءات المالية والعقارية التي شهدتها سورية خلال عهد النظام السابق.
ووفق بيانات الشبكة التي أوردها عبد الغني، فقد وثقت أكثر من 40 ألف قرار حجز ومصادرة طاولت قرابة 320 ألف مواطن بين عامي 2012 و2024، ضمن منظومة أوسع لا يمكن نسبها بالكامل إلى محكمة الإرهاب وحدها.
وهنا تكمن صعوبة المعالجة، حيث قد يكون الحكم القضائي مجرد بداية لسلسلة طويلة من الإجراءات التي تنقلت بين وزارة المالية، والسجل العقاري، والجهات الأمنية، والمصارف، والإدارات المحلية.
ويرى عبد الغني أن إلغاء المحكمة لا يعني تلقائياً محو آثار الأحكام الصادرة عنها، ما لم تُنشأ آلية واضحة ومباشرة لتنفيذ ذلك. ويحدّد المسار المطلوب في مجموعة من الإجراءات المترابطة وفي مقدمتها حصر الأحكام والملفات عبر إنشاء سجل مركزي يتضمن جميع الأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة، مع ربطها بأرقام الدعاوى وأسماء المحكوم عليهم، ومصير كل ملف، والجهات التي نفذت آثاره. ويضيف عبد الغني أن الحصر يفترض أن يشمل الأحكام الوجاهية والغيابية، وقرارات الاتهام، ومذكرات التوقيف، وقرارات الحجز والمصادرة، وكل إجراء إداري أو مالي نشأ عنها.
وتتمثل الخطوة الثانية، وفق عبد الغني، في إسقاط الإدانات وتصحيح السجلات، ولا يكفي وقف تنفيذ العقوبة أو إغلاق المحكمة. فالمطلوب، برأيه، إزالة الإدانة من السجل العدلي، وتصحيح القيود المدنية والوظيفية والتقاعدية التي ترتبت عليها. ويشمل ذلك إلغاء مذكرات البحث والقبض، وقرارات منع السفر والقيود الأمنية المرتبطة حصراً بأحكام المحكمة، بما يتيح للمتضررين استعادة قدرتهم على التنقل واستخراج الوثائق الرسمية والعمل دون آثار جزائية سابقة.
ويؤكد عبد الغني أن أي ملاحقة جديدة في قضايا جنائية خطيرة يجب أن تستند إلى تحقيق مستقل وأدلة مشروعة، لا إلى الضبوط الأمنية السابقة أو الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب.
ويضيف أن الخطوة الرابعة هي ردّ الممتلكات ومعالجة الملكيات المعقدة، بما يشمل ملف العقارات والأموال، موضحاً أن رفع إشارة الحجز لا يعني بالضرورة أن العقار عاد إلى صاحبه. فقد يكون انتقل إلى الدولة، أو بيع لطرف ثالث، أو نقل أكثر من مرة، أو تغير وضعه العقاري، أو تعرض للهدم.
لذلك، يقترح عبد الغني أن يكون الرد العيني هو الأصل متى كان ممكناً، مع تجميد التصرف بالأموال المتنازع عليها، وضمان حق الأطراف الثالثة في تقديم اعتراضاتها، واللجوء إلى التعويض العادل عندما يتعذر رد الملكية ذاتها. كما يتطلب الأمر إعفاء أصحاب الحقوق من الرسوم والضرائب والتكاليف الناشئة عن إعادة التسجيل، وهو ما تضمنه مشروع القانون للفترة المحددة فيه.
اللاجئون والورثة وذوو المختفين
ولا تتوقف تعقيدات الملف عند الوثائق القضائية. فآلاف السوريين يعيشون خارج البلاد، بينما توفي آخرون أو اختفوا قسراً، وقد لا يستطيع أصحاب الحقوق أو ورثتهم الحضور شخصياً إلى سورية أو إلى المؤسسات المعنية. ويطالب عبد الغني بإنشاء نافذة مجانية وواضحة لتلقي الطلبات، تسمح بالتقديم عبر وكلاء قانونيين أو من خلال آليات قنصلية أو إلكترونية، مع تبسيط إثبات الصفة القانونية للورثة وذوي المفقودين.
وتشمل الوثائق التي ينصح المتضررين بجمعها، الأحكام القضائية، وأرقام القضايا، وقرارات الحجز والمصادرة، وسندات الملكية والإرث، ووثائق الاعتقال أو الإفراج، وأي مستندات تثبت الضرر المالي أو الوظيفي.
لكن المسؤولية الأساسية، وفق رؤيته، تقع على عاتق الدولة في إنشاء نظام لا يجعل استعادة الحق امتيازاً لمن يملك المال أو القدرة على السفر، بل مساراً قانونيا متاحاً لجميع المتضررين.
ويحذر عبد الغني من أن إلغاء الأحكام ينبغي ألا يقود إلى إتلاف أرشيف المحكمة أو النيابة التابعة لها. فالملفات، حتى بعد إسقاط حجيتها في إدانة المتضررين، قد تحتوي على أدلة مهمة تتعلق بالتعذيب والاختفاء القسري والابتزاز والمصادرة المنظمة، إضافة إلى معلومات يمكن أن تفيد في تحديد المسؤوليات الفردية.
ويشدّد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على أن مساءلة القضاة والمدعين العامين والموظفين الأمنيين ينبغي أن تقوم على الأدلة المتعلقة بسلوك كل شخص، وعلمه، وقصده، ودوره في الانتهاكات، لا على مجرد انتسابه الوظيفي إلى المحكمة. ومن شأن حفظ الأرشيف وفهرسته وتأمينه أن يجعله جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، بدلاً من أن يختفي مع المؤسسة التي أصدرته.






