تكلفة تتجاوز الإصابة
يقول مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لـ”الثورة السورية”: إن الكلفة التي يتحملها المصاب لا تتوقف عند العلاج الإسعافي والجراحي، بل تمتد إلى الأدوية والأطراف والأجهزة المساعدة وإعادة التأهيل الجسدي والنفسي، وقد تستمر هذه الاحتياجات سنوات طويلة أو مدى الحياة.
ويضيف أن الإصابة قد تعني أيضاً خسارة الدخل الحالي وانخفاض القدرة المستقبلية على الكسب، وخصوصاً عندما تؤدي إلى بتر أو إعاقة دائمة، فيما تنتقل آثار الإصابة إلى الأسرة بأكملها إذا فقد معيلها قدرته على العمل أو اضطر أحد أفرادها إلى تقليص عمله أو تركه لتقديم الرعاية.
وقد تدفع هذه الظروف الأسر إلى خفض الإنفاق على التعليم أو العلاج والاعتماد بصورة أكبر على المساعدات، ما يجعل التكلفة الفعلية تشمل الضرر الجسدي والنفسي، والفرص الضائعة في العمل والتعليم، وفقدان الدخل، ونفقات العلاج والرعاية والخدمات الاجتماعية.
ويرى عبد الغني أن هذه العناصر تتقاطع مع أشكال الضرر القابل للتعويض الواردة في مبادئ الأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف والجبر، ولا سيما القرار A/RES/60/147.
وتوجد، وفق عبد الغني، تكلفة أخرى لا تظهر في إحصاءات الضحايا، ترتبط بحرمان المجتمعات من الانتفاع بالأراضي والأصول الاقتصادية، إذ قد يمنع التلوث زراعة أرضٍ أو استخدامها للرعي، ويعرقل عودة السكان إلى منازلهم أو إصلاح البنية التحتية أو استخدام الطرق والمنشآت الصناعية.
من يتحمل تكلفة الضرر؟
يعود أول استخدام بارز موثق للذخائر العنقودية من قبل قوات النظام المخلوع إلى تموز 2012، عندما ألقت طائرة حربية حاضنة مليئة بهذه الذخائر على قرية شورلين في ريف إدلب، وفق أرشيف الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي تشير إلى أن استخدامها توسع لاحقاً على نطاق واسع.
وفي نيسان الماضي، وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 3799 مدنياً بسبب الألغام الأرضية ومخلّفات الذخائر العنقودية منذ آذار 2011، بينهم 1000 طفل و377 امرأة، وتركزت النسبة الأكبر من ضحايا الذخائر العنقودية في حلب وإدلب وحماة ودرعا.
ويقول عبد الغني: إن تحويل بعض هذه الخسائر إلى مطالبات قانونية بالتعويض يقتضي التمييز بين مساعدة الضحية، والحق في جبر الضرر، والمسؤولية المالية لشخص محدد.
فالحصول على العلاج والتأهيل والدعم لا ينبغي أن يتوقف على تحديد مرتكب الانتهاك أو القبض عليه أو محاكمته، فيما تتطلب مساءلة شخص بعينه وإلزامه بالتعويض إثبات أساس قانوني لمسؤوليته، والصلة بين أفعاله أو أوامره والضرر الواقع، وفق قواعد الإثبات المعتمدة في المسار القضائي المعني.
ويشدد عبد الغني على أن المسؤولية الجنائية للقائد لا تتطابق تلقائياً مع المسؤولية المدنية أو المالية، وأن تحميل مسؤول سابق أعباء التعويض من أمواله الخاصة يتطلب حكماً أو آلية قانونية تحدد مسؤوليته بصورة واضحة.
التطهير كاستثمار اقتصادي
يرى عبد الغني أن التعامل مع عمليات التطهير يجب أن يتجاوز مفهوم إزالة الخطر المباشر، لأن إزالة الذخائر غير المنفجرة تعني في حالات كثيرة تحرير أصل اقتصادي قائم أصلاً ومنحه القدرة على العودة إلى الاستخدام.
فالأرض الزراعية موجودة، والطريق قائم، والمنزل أو المصنع موجود، غير أن التلوث يجعل الانتفاع بها مستحيلاً أو شديد الخطورة.
وتشير UNMAS إلى أن التلوث بالذخائر المتفجرة يعرقل التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار وتعافي القطاع الزراعي في سوريا، فيما أطلقت بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة “فاو” عام 2026 مشروعاً لمدة عامين بقيمة تقارب 4.4 ملايين دولار في حلب وحماة وإدلب، يجمع بين إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية واستعادة سبل العيش.
وتقدم الخبرات الدولية نماذج لقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي لعمليات التطهير، ففي لبنان، استخدمت دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام نموذجاً لتحليل التكلفة والمنفعة، وقدرت أن كل دولار ينفق على الأعمال المتعلقة بالألغام يولد نحو 4.15 دولارات من المنافع الاجتماعية والاقتصادية في الحالة التي تناولتها الدراسة.
ويشير عبد الغني إلى أن هذا الرقم لا يمكن نقله بصورة مباشرة إلى سوريا بسبب اختلاف قيمة الأراضي وطبيعة التلوث وتكلفة التطهير وأنماط الإنتاج، إلا أنه يوضح أن إزالة مخلّفات الحرب يمكن التعامل معها كاستثمار له مردود اقتصادي واجتماعي.
أولويات وطنية للتطهير
ويقول عبد الغني: إن سوريا لا تبدأ من فراغ معلوماتي، إذ تستخدم UNMAS نظام إدارة المعلومات للأعمال المتعلقة بالألغام “IMSMA” لتجميع البيانات ودعم تحديد الأولويات، ويمكن تطوير هذا النظام وربطه ببيانات الأراضي والإنتاج الزراعي والطرق والسكن والخدمات وعودة السكان.
وعندها يصبح تقييم كل مشروع ممكناً عبر ثلاثة مؤشرات متكاملة: حجم الخطر الإنساني الذي أُزيل، والاستخدام الاجتماعي الذي استُعيد، والقيمة الاقتصادية التي أصبح تحقيقها ممكناً.
ويشدد عبد الغني على ضرورة ألا تقود الاعتبارات المالية وحدها عملية تحديد الأولويات، حتى لا تتجه الموارد إلى المناطق الأعلى قيمة اقتصادية على حساب المجتمعات الأكثر هشاشة، داعياً إلى الجمع بين مستوى الخطر وعدد السكان وإمكان العودة والوصول إلى الخدمات وحقوق السكن والأرض والعائد الاقتصادي المتوقع.






